لسان العرب، لابن منظور. - الجزء الثالث
مراجع :
معنى القرآن لغة واصطلاحا
قرأ: القرآن: التنزيل العزيز، وإنما قدم على ما هو أبسط منه لشرفه، قرأه يقرؤه ويقرؤه، الأخيرة عن الزجاج: قرْءًا وقراءةً وقرآنًا، الأولى عن اللحياني: فهو مقروء. أبو إسحق النحوي: يسمى كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وقرآنًا وفرقانًا، ومعنى القرآن: معنى الجمع وسمي قرآنًا؛ لأنه يجمع السور فيضمها، وقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} أي: جمعه وقراءته، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي: قراءته قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فإذا بيناه لك بالقراءة فاعمل بما بيناه لك، فأما قوله:
هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور
فإنه أراد لا يقرأن السور فزاد الباء كقراءة من قرأ: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ}، وقراءة من قرأ {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ}، أي: تنبت الدهن، ويذهب الأبصار وقرأت الشيء قرآنًا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، وما قرأت جنينًا قط، أي: لم يضطم رحمها على ولد. وأنشد :هجان اللون لم تقرأ جنينًا.
وقال :قال: أكثر الناس معناه لم تجمع جنينًا، أي: لم يضطم رحمها على الجنين. قال: وفيه قول آخر: لم تقرأ جنينًا، أي لم تلقه، ومعنى قرأت القرآن لفظت به مجموعًا، أي: ألقيته. وروي عن الشافعي -رضي الله عنه-: أنه قرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين، وكان يقول: القرآن اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله مثل: التوراة والإنجيل، ويهمز قرأت ولا يهمز القرآن كما تقول: إذا قرأت القرآن، قال وقال إسماعيل: قرأت على شبل، وأخبر شبل: أنه قرأ على عبد الله بن كثير، وأخبر عبد الله أنه قرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس -رضي الله عنهما- وأخبر ابن عباس: أنه قرأ على أبي، وقرأ أبي على النبي -صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روى عن ابن كثير، وفي الحديث: ((أقرؤكم أُبَيُُّ)) قال ابن الأثير: قيل أراد من جماعة مخصوصين، وفي وقت من الأوقات فإن غيره كان أقرأ منه، قال: ويجوز: أن يريد به أكثرهم قراءة، ويجوز أن يكون عامًّا وأنه أقرأ الصحابة، أي: أتقن للقرآن وأحفظ، ورجل قارئ من قوم قراء، وقرأة وقارئين وأقرأ غيره يقرئه إقراء، ومنه قيل: فلان المقرئ.
قال سيبويه: قرأ واقترأ بمعنى، بمنزلة علا قرنه واستعلاه، وصحيفة مقروءة، لا يجيز الكسائي والفراء غير ذلك، وهو القياس. وحكى أبو زيد: صحيفة مقرية وهو نادر إلا في لغة من قال: قريت وقرأت الكتاب قراءة وقرآنًا، ومنه سمي القرآن، وأقرأه القرآن فهو مقرئ، وقال ابن الأثير: تكرر في الحديث ذكر القراءة، والاقتراء، والقارئ، والقرآن، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمي القرآن؛ لأنه جمع القصص، والأمر، والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران والكفران، قال: وقد يطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة تسمية للشيء ببعضه، وعلى القراءة نفسها يقال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنًا، والاقتراء افتعال من القراءة، قال: وقد تحذف الهمزة منه تخفيفًا، فيقال: قرآن وقريت وقار ونحو ذلك من التصريف.
وفي الحديث: ((إِنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا)) أي: أنهم يحفظون القرآن نفيًا للتهمة عن أنفسهم وهم معتقدون تضييعه، وكان المنافقون في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الصفة.
صحيح البخاري، للبخاري.
معنى القرآن لغة واصطلاحا
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خفف على داود -عليه السلام- القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده)) رواه موسى بن عقبة، عن صفوان، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي.
معنى القرآن لغة واصطلاحا
القرآن عند أهل أصول الفقه: اللفظ المنزل على محمد للإعجاز بسورة منه، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة.
القرآن عند أهل الحق: العلم أللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها.
التعريفات، للجرجاني.
معنى القرآن لغة واصطلاحا
القرآن هو المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، والقرآن ثم أهل الحق هو العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها.
مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني.
المعنى التركيبي لقولنا "علوم القرآن" وموضوع هذا الفن وفائدته
الآن، وقد انتهينا من الكلام على المتضايفين في لفظ علوم القرآن، ننتقل بك إلى أن الإضافة بينهما تشير إلى طوائف المعارف المتصلة بالقرآن، سواء أكانت تصورات أم تصديقات على ما عرفت وجه اختياره في مدلول لفظ العلم في عرف التدوين العام، وإنما جمعت هذه العلوم ولم تفرد؛ لأنه لم يقصد إلى علم واحد يتصل بالقرآن، إنما أريد شمول كل علم يخدم القرآن أو يستند إليه، وينتظم ذلك علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم إعراب القرآن، وعلم غريب القرآن، وعلوم الدين، واللغة، إلى غير ذلك، وتلك أشتات من العلوم، توسع السيوطي فيها حتى اعتبر منها علم الهيئة، والهندسة، والطب، ونحوها.
ثم نقل عن أبي بكر بن العربي في قانونه التأويل: أنه قال: علوم القرآن: خمسون وأربعمائة، وسبعة آلاف وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ أن لكل كلمة ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا، هذا في المفردات، فحسب أما إذا اعتبرت التراكيب، وما بينها من روابط كان ما لا يحصى مما لا يعمله إلا الله تعالى. اه بتصرف قليل.
وأحبّ أن تعرف أن هذا الكلام من السيوطي، وابن العربي محمول على ضرب كبير من التأويل والتوسع بأن يراد من العلوم كل ما يدل عليه القرآن من المعارف، سواء أكانت علومًا مدونة أم غير مدونة، وسواء أكانت تلك الدلالة تصريحية أم تلميحية، عن قرب أم عن بعد، فأما أن تراد العلوم المدونة صراحة فدون ذلك خرط القتاد وصعود السماء، القرآن كتاب هداية، وإعجاز، وتحقيق القول في هذا الموضوع: أن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز، من أجل هذين المطمحين نزل، وفيهما تحدث، وعليهما دل، فكل علم يتصل بالقرآن من ناحية قرآنيته، أو يتصل به من ناحية هدايته، أو إعجازه، فذلك من علوم القرآن، وهذا ظاهر في العلوم الدينية، والعربية.
أما العلوم الكونية، وأما المعارف، والصنائع، وما جد أو يجد في العالم من فنون ومعارف كعلم الهندسة، والحساب، وعلم الهيئة، والفلك، وعلم الاقتصاد، والاجتماع، وعلم الطبيعة، والكيمياء، وعلم الحيوان، والنبات، فإن شيئا من ذلك لا يجمل عده من علوم القرآن؛ لأن القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات الهندسة مثلًا، ولا ليقرر قانونًا من قوانينها، وكذلك علم الهندسة لم يوضع ليخدم القرآن في شرح آياته أو بيان أسراره، وهكذا القول في سائر العلوم الكونية والصنائع العالمية، وإن كان القرآن قد دعا المسلمين إلى تعلمها وحذقها والتمهّر فيها خصوصًا عند الحاجة إليها، وإنما قلنا: إنه لا يجمل اعتبار علوم الكون وصنائعه من علوم القرآن مع أن القرآن يدعو إلى تعلمها؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الشيء يحث القرآن على تعلمه في عموماته أو خصوصاته، وبين العلم يدل القرآن على مسائله، أو يرشد إلى أحكامه، أو يكون ذلك العلم خادمًا للقرآن بمسائله أو أحكامه أو مفرداته، فالأول: ظاهر أنه لا يعتبر من علوم القرآن بخلاف الثاني، وهو ما نريد أن نرشدك إليه، وأن تحرص أنت بدورك عليه القرآن يحض على الانتفاع بالكون أجل إن القرآن، حض على معرفة علوم الكون وصنائع العالم، وحث على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود، قال سبحانه وتعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقال -جلت حكمته-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فلا يليق بالمسلمين، وهم المخاطبون بهذا أن يفروا من وجه هذه المنافع العامة، ولا أن يزهدوا في علوم الكون، ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتع بثمرات هذه القوى العظيمة التي أودعها الله لخلقه في خزائن سماواته وأرضه، ولهذا نص علماؤنا على أن تعلم تلك العلوم الكونية وحذق هذه الصناعات الفنية فرض من فروض الكفايات ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع؛ وذلك لأن البقاء في هذه الحياة للأصلح والحياة في هذا الوجود للسلام المسلح والأسلحة في كل عصر عامة.
وفي هذا العصر خاصة إنما تقوم على التمهر في العلوم، وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون، والويل فينا للضعيف والحظ كل الحظ للقوي، والله تعالى يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، والنبي يقول: فيما رواه مسلم، عن أبي هريرة ((المؤمنُ القويًُّ خيرٌ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))، إعجاز علمي للقرآن، وأحب ألا أنتهي من هذا الموضوع حتى أنبهك إلى شيء آخر جدير بالنظر والتقدير، وهو أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والإعجاز على الخلق قد حاكم الناس إلى عقولهم، وفتح عيونهم إلى الكون، وما في الكون من سماء وأرض، وبر، وبحر، وحيوان، ونبات، وخصائص، وظواهر، ونواميس، وسنن، وكان القرآن في طريقة عرضه هذه موفقًا كل التوفيق، بل كان معجزًا أبهر الإعجاز؛ لأن حديثه عن تلك الكونيات كان حديث العليم بأسرارها الخبير بدقائقها المحيط بعلومها، ومعارفها على حين أن هذا الذي جاء بالقرآن رجل، أمي نشأ في أمة أمية جاهلة لا صلة لها بتلك العلوم، وتدوينها ولا إلمام لها بكتبها ومباحثها، بل إن بعض تلك العلوم لم ينشأ إلا بعد عهد النبوة، ومهبط الوحي بقرون وأجيال فأنى يكون لرجل أمي كمحمد ذلك السجل الجامع، لتلك المعارف كلها إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم، قال سبحانه مقررًا لهذا الإعجاز العلمي: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُون َ* بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} ولعل من الحكمة أن نسوق لك نموذجين من القرآن على سبيل التمثيل، أولهما في سورة النور إذ يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} قل لي بربك ألا يملكك العجب حين تقرأ هذا النص الكريم الذي يتفق، وأحدث النظريات العلمية في الظواهر الطبيعية، من سحاب، ومطر، وبرق النموذج.
الثاني: يقول الله تعالى في سورة القيامة مبينًا ومقررًا كمال اقتداره على إعادة الإنسان، وبعثه بعد موته: {أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} أرجو أن تقف قليلًا عند تخصيصه البنان بالتسوية في هذا المقام، ثم تستمع بعد ذلك إلى هذا العلم الوليد علم تحقيق الشخصية في عصرنا الأخير، وهو يقرر أن أدق شيء وأبدعه في بناء جسم الإنسان، هو تسوية البنان حتى إنه لا يمكن أن تجد بنانًا لأحد يشبه بنان آخر بحالٍ من الأحوال، وقد انتهوا من هذا القرار إلى أن حَكَّمُوا البنان في كثير من القضايا والحوادث: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ولا أريد أن أطيل عليك في هذا، فمعجزات القرآن العلمية لها ميدان آخر، إنما هي نظرة خاطفة نوضح بها المراد بعلوم القرآن، ونوجه بها كلام السيوطي في "الإتقان" ونعتذر فيها عن ابن العربي في التأويل، والله وحده هو المحيط بأسرار كتابه، ولا يزال الكون، وما يحدث في الكون من علوم، وفنون، وشؤون لا يزال كل أولئك يشرح القرآن، ويفسره، ويميط اللثام عن نواح كثيرة من أسراره، وإعجازه مصداقًا، لقوله -جل ذكره-: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}، معنى علوم القرآن كفن مدون وموضوعه، وفائدته، أما بعد فقد تبين لك فيما سبق أن لفظ علوم القرآن يراد بمعناه الإضافي ما يشمل العلوم الدينية والعربية، ونفيدك هنا أن هذا اللفظ نقل من ذلك المعنى الإضافي، ثم جعل علمًا على الفن المدون وأصبح مدلوله بعد النقل، وهو علم غير مدلوله قبل النقل، وهو مركب إضافي ضرورة أن هذا الفن ليس هو مجموعة العلوم الدينية والعربية، بل هو غيرها، وإن كان مستمدًّا منها ومأخوذًا عنها، ويمكن أن نعرفه بأنه مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه، ومنسوخه، ودفع الشبه عنه، ونحو ذلك.
وموضوعه: القرآن الكريم من أية ناحية من النواحي المذكورة في التعريف بخلاف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، فإن موضوعه هو مجموع موضوعات تلك العلوم المنضوية تحت لوائه، وموضوع كل واحد منها هو القرآن الكريم من ناحية واحدة من تلك النواحي، فعلم القراءات مثلًا موضوعه: القرآن الكريم من ناحية لفظه وأدائه، وعلم التفسير موضوعه: القرآن الكريم من ناحية شرحه ومعناه، وهلم جرَّا.
وفائدة هذا العلم: ترجع إلى الثقافة العالية العامة في القرآن الكريم، وإلى التسلح بالمعارف القيمة فيه استعدادًا لحسن الدفاع، عن حمى الكتاب العزيز، ثم إلى سهولة خوض غمار تفسير القرآن الكريم به، كمفتاح للمفسرين فمثله، من هذا الناحية كمثل علوم الحديث بالنسبة لمن أراد أن يدرس علم الحديث، وقد صرح السيوطي بذلك في خطبة كتابه "الإتقان" إذ قال: ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين؛ إذ لم يدونوا كتابًا في أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث. اه.
ثم رأيت صاحب كتاب "التبيان في علوم القرآن" يشير إلى ذلك المعنى؛ إذ وضع على طرة كتابه الكلمة الآتية، وهذا هو المقدمة الصغرى من مقدمتي التفسير هذا، وإنما سمي هذا العلم القرآن بالجمع دون الإفراد؛ للإشارة إلى أنه خلاصة علوم متنوعة؛ باعتبار أن مباحثه المدونة تتصل اتصالًا وثيقًا، كما علمت بالعلوم الدينية، والعلوم العربية حتى إنك لتجد كل مبحث منها خليقًا أن يسلك في عداد مسائل علم من تلك العلوم، فنسبته إليها كنسبة الفرع إلى أصوله، أو الدليل إلى مدلوله، وما أشبهه بباقة منسقة من الورود والياسمين إزاء بستان حافل بألوان الزهور والرياحين. الحمد لله رب العالمين.
مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني.
نشأة هذا العلم
القرآن الكريم كتاب ختم الله به الكتب، وأنزله على نبي ختم به الأنبياء بدين عام، خالد ختم به الأديان، فهو دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كل تشريع، وأودعه كل نهضة، وناط به كل سعادة، وهو حجة الرسول، وآيته الكبرى، يقوم في فم الدنيا شاهدًا برسالته، ناطقًا بنبوته، دليلًا على صدقه وأمانته، وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه في عقائده، وعباداته، وحكمه، وأحكامه، وآدابه، وأخلاقه، وقصصه، ومواعظه، وعلومه، ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى، تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها، وتفوق سائر اللغات العالمية به في أساليبها ومادتها، وهو أولًا وآخرًا القوة المحولة التي غيرت صورة العالم، ونقلت حدود الممالك، وحولت مجرى التاريخ، وأنقذت الإنسانية العاثرة، فكأنما خلقت الوجود خلقًا جديدًا، لذلك كله كان القرآن الكريم موضع العناية الكبرى من الرسول وصحابته، ومن سلف الأمة، وخلفها جميعًا إلى يوم الناس، هذا وقد اتخذت هذه العناية أشكالًا مختلفة، فتارة ترجع إلى لفظه، وأدائه، وأخرى إلى أسلوبه وإعجازه، وثالثة: إلى كتابته ورسمه، ورابعة: إلى تفسيره وشرحه، إلى غير ذلك، ولقد أفرد العلماء كل ناحية من هذه النواحي بالبحث والتأليف، ووضعوا من أجلها العلوم، ودونوا الكتب وتباروا في هذا الميدان الواسع أشواطًا بعيدة، حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث مجيد من آثار سلفنا الصالح وعلمائنا الأعلام، وكانت هذه الثروة، ولا تزال مفخرة نتحدى بها أمم الأرض، ونفحم بها أهل الملل والنحل في كل عصر ومصر، وهكذا أصبح بين أيدينا الآن مصنفات متنوعة، وموسوعات قيمة، فيما نسميه علم القراءات، وعلم التجويد، وعلم النسخ العثماني، وعلم التفسير، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن، وما شاكل ذلك من العلوم الدينية والعربية مما يعتبر بحق أروع مظهر عرفه التاريخ، لحراسة كتاب هو سيد الكتب، وبات هذا المظهر معجزة جديدة مصدقة لقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ولقد أنجبت تلك العلوم الآنفة وليدًا جديدًا، هو مزيج منها جميعًا، وسليل لها جميعًا، فيه مقاصدها، وأغراضها، وخصائصها، وأسرارها، والولد سر أبيه، وقد أسموه "علوم القرآن".
مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان.
نشأة هذا العلم
التعريف بالعلم وبيان نشأته وتطوره:
القرآن دستور الله السماوي، ومعجزة الإسلام الخالدة التي لا يزيدها التقدم العلمي إلا رسوخًا في الإعجاز، وبيانًا لمعارفه وكنوزه، أنزله الله على رسوله محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هادي البشرية ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ويحرر عقولهم من إسار الخرافة والجهل، والضلال بنور الإيمان والمعرفة واليقين، فكان -صلوات الله وسلامه عليه- يبلغه لصحابته -وهم عرب خلص- فيفهمونه ويعملون به، وحملهم فرط حرصهم وحبهم له على تلقيه من المُنَزَّلِ عليه وحفظه حرفًا حرفًا، وهم آنذاك أميون يعتمدون في الحفظ على الذاكرة القوية التي وهبتهم إياها طبيعة حياتهم ببساطتها، ويرتفع قدر أحدهم بحفظ الآيات وقراءة السورة والسورتين، فعن أنس "كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا" أي عظم، ولم يأذن لهم الرسول في كتابة شيء سوى القرآن؛ خشية أن يختلط غير الوحي به: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).
واستمر الأمر كذلك بعد رسول الله مدة خلافة أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- حتى جمع القرآن زمن الخليفة الثالث عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فبدأ الرسم الخاص المعروف "بالرسم العثماني" وأخذت أصول بعض العلوم توضع كالنحو في عهد الخليفة الرابع علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بينما يعتمد في مباحث القرآن وغيره على الرواية المتصلة بالتلقين، إلى أن بدأ عصر التدوين في القرن الثاني وألف في تفسير القرآن سفيان بن عينية، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ثم نهج نهجهم ونسج على منوالهم ابن جرير الطبري، وحذا حذوه آخرون.
كما بدأ كذلك التأليف الموضوعي في موضوعات تتصل بالقرآن ولا يستغني المفسر عنها، فألف ابن المديني كتابًا في "أسباب النزول"، وابن سلام في "الناسخ والمنسوخ"، وابن قتيبة في "مشكل القرآن"، والسجستاني في "غريب القرآن"، والراغب في "مفرداته"، والحوفي في "إعراب القرآن"، وعز الدين بن عبد السلام في "مجاز القرآن"، والسخاوي في "علم القراءات"، وأبو بكر الباقلاني في "إعجاز القرآن"، والماوردي في "أمثال القرآن"، وابن القيم في "أقسام القرآن".
ولم يكن نصيب علوم القرآن من التأليف في عصر النهضة الحديثة بأقل من غيرها، فقد اتجه المتصلون بالحياة الإسلامية وحركتها الفكرية اتجاهًا سديدًا في معالجة الموضوعات بأسلوب العصر. كتفسير الشيخ محمد عبده لجزء عم، والمغربي لجزء تبارك، وتفسير المنار للسيد رشيد رضا، وكتاب "إعجاز القرآن" لمصطفى صادق الرافعي، وكتابي "التصوير الفني في القرآن"، و"مشاهد القيامة في القرآن" لسيد قطب، و"ترجمة القرآن" للمراغي، وبحث فيها لمحب الدين الخطيب.
ذلك الشتات من التآليف الموضوعية لم يكن بد من تنظيمه وتنسيقه وجمعه وترتيبه ليشمله مؤلف واحد مدون، فوضع نواة هذا علي بن سعيد الجوفي في كتابه "البرهان"، وتبعه ابن الجوزي في كتابه، "فنون الأفنان في علوم القرآن"، ثم علم الدين السخاوي في كتابه، "جمال القراء" حتى جاء نور الدين الزركشي وألف كتابًا وافيًا سماه، "البرهان في علوم القرآن"، ثم أضاف إليه بعض الزيادات جلال الدين البلقيني في كتابه، "مواقع المعلوم من مواقع النجوم"، وأعقبه تلميذه جلال الدين السيوطي فوضع كتابًا شاملًا هو "الإتقان في علوم القرآن" ويعتبر الإتقان مرجع الباحثين في هذا الفن المدون، إلا أن السيوطي جمع فيه ما تفرق عند غيره ونقله دون أن ينقحه ويهذبه.
وفي الحركة العلمية الحديثة أسمهم بعض الأساتذة في هذا الميدان، فألف الشيخ محمد علي سلامة كتابه، منهج الفرقان في علوم القرآن، تناول فيه المباحث المقررة بكلية أصول الدين بمصر، وتلاه الشيخ عبد العظيم الزرقاني فألف كتابه "مناهل العرفان في علوم القرآن" ثم الشيخ أحمد أحمد علي في مذكرة "علوم القرآن" التي ألقاها على طلابه بالكلية، قسم إجازة الدعوة والإرشاد.
فأنت ترى بعد تلك الإلمامة السابقة بنشأة هذه المباحث وتطورها أنها وثيقة الصلة بتفسير القرآن، وأن إيضاح المعنى المراد من أي آية يتوقف على مدى إحاطة المفسر بها؛ ليأمن الخطأ والزلل، فأسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه. كل هذه البحوث، وأقر أنها أسس هامة، يعتمد عليها المفسر في تفسير القرآن. ومن هنا نشأ تسميتها بـ(أصول التفسير).
والأصول: جمع أصل، وأصل الشيء قاعدته، فأصول علم ما: هي القوانين والقواعد التي يبنى عليها العلم.
والتفسير: الإيضاح والتبيين، فهو بيان مدلول القرآن بقدر طاقة الإنسان.
وعلم أصول التفسير: هو علم يبحث فيه عن المسائل التي يستند إليها الباحث في بيان الكتاب الحكيم.
وحيث كانت مباحث هذا العلم مباحث تتصل بالقرآن فكثيرا ما تسمى بـ(علوم القرآن)
جمع علم، والعلم: الفهم والإدراك، ثم نقل بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة بجهة علمية، فهي مجموعة المباحث المتصلة به، وهي بعد تدوينها كفن من الفنون، العلم الذي يبحث فيه عمَّا يتعلق بالقرآن الكريم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مولعًا بالوحي يترقب نزوله عليه بشوق ويحفظه ويفهمه، ولصحابته فيه الأسوة الحسنة شغفا بأصل الدين ومصدر الرسالة، وقد نزل القرآن منجمًا في بضع وعشرين سنة، فربَّما نزلت الآية المفردة، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، وكلما نزلت آية حفظت في الصدور ووعتها القلوب، والأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها، واتخذ رسول الله كتابًا للوحي من أجلاء الصحابة، كعلي، ومعاوية، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم دون أن يأمرهم النبي فيخطونه في العسب، واللخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع، فأضيفت الكتابة إلى الحفظ، وكان جبريل يعارض رسول الله بالقرآن كل سنة في ليالي رمضان ويعارض الصحابة رسولهم حفظًا وكتابة، ولم تكن هذه الكتابة مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك من الآيات والسور.
وقد نقل العلماء أن نفرًا منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرًا عن الجميع، وقبض رسول الله والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب على النحو المذكور بالقراءات الواردة، ولم يجمع في مصحف عام، حيث كان الوحي ينزل تباعًا ويحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، ويسمى هذا بالجمع الأول في عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
2- قام أبو بكر بأمر الإسلام بعد رسول الله، وواجهته أحداث جسام في ارتداد جمهرة العرب، فجهز الجيوش، وأوفدها لحروب المرتدين، وكانت غزوة أهل اليمامة تضم عددًا كبيرًا من الصحابة القراء، فاستشهد في هذه الغزوة سبعون قارئًا من الصحابة (وقيل: سبعمائة) فهال ذلك عمر بن الخطاب ودخل على أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأشار عليه بجمع القرآن، وكتابته خشية الضياع، فإن القتل قد استحر يوم اليمامة بالقراء، ويخشى إن استحر بهم في المواطن الأخرى أن يضيع القرآن وينسى، فنفر أبو بكر من هذه المقالة، وكبر عليه أن يفعل ما لم يفعله رسول الله، وظل عمر يراوده حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا الأمر، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت لمكانته في القراءة، والكتابة، والفهم، والعقل، وشهوده العرضة الأخيرة، واقتص عليه قول عمر، فنفر زيد من ذلك كما نفر أبو بكر من قبل، وتراجعا حتى طابت نفس زيد للكتابة، وبدأ زيد بن ثابت في مهمته الشاقة معتمدًا على المحفوظ في صدور القراء، والمكتوب لدى الكتبة، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر حتى إذا توفي سنة 13هـ صارت بعده إلى عمر، وظلت عنده حتى مات، ثم كانت عند حفصة ابنته صدرًا من ولاية عثمان حتى طلبها عثمان من حفصة، فقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر -قال زيد- قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر".
وقد راعى زيد بن ثابت نهاية التثبت فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، وقوله في الحديث "ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره" لا ينافي هذا، وغاية ما فيه أنه لم يجده مكتوبًا عند أحد غيره بينما وجده محفوظًا عند كثير من الصحابة، وكذلك الشأن فيما هو مثل هذا، كما جاء في آية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الآية.
وقد روي أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: "اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه" قال ابن حجر: "وكأن المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة"، والقرآن كان مكتوبا من قبل في قطع الأديم والعسب كما مر، ولكن هذه الكتابة لم تنل حظها من التحري والجمع كما نالت في أمر أبي بكر لزيد بجمع القرآن وكتابته في الصحف، فكان أبو بكر بهذا أول من جمع القرآن في مصحف، وإن وجدت مصاحف فردية عند بعض الصحابة، كمصحف علي، وعلي نفسه يقول: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله". وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثاني.
3- اتسعت الفتوحات الإسلامية وتفرق القراء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته، ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعًا مسندة إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره و مردوا عليه، ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج، فلما كانت غزوة أرمينية وغزوة أذربيجان من أهل العراق كان فيمن عزاهما (حذيفة بن اليمان) فرأى اختلافًا كثيرًا في وجوه القراءة، وبعض ذلك مشوب باللحن، مع إلف كل لقراءته ووقوفه عندها ومماراته مخالفة وتكفير بعضهم الآخر؛ حينئذٍ فزع إلى عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأخبره بما رأى، وكان عثمان قد نمي إليه أن شيئًا من ذلك الخلاف يحدث لمن يقرئون الصبية فينشأ هؤلاء وبينهم من الاختلاف ما بينهم، فأكبر الصحابة هذا الأمر مخافة أن ينجم عنه التحريف والتبديل وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة، فأرسل عثمان إلى حفصة فأرسلت إليه بتلك الصحف ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيين، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وأن يكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم.
كتبت مصاحف على القراءات المتواترة، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف، واحتبس بالمدينة واحدًا هو مصحفه الذي يسمى الإمام حيث جاء في بعض الروايات "يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا" وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة ومصحف.
وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الاختلاف، وحضن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان، وكانت هذه المصاحف سبعة عدد الآفاق التي أرسل إليها: مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، واليمن، والبحرين، والمدينة وهو الذي حبسه لنفسه، وقيل: أربعة: العراقي، والشامي، والمصري، والمصحف الإمام، وقيل غير ذلك.
ويمتاز مصحف عثمان بالترتيب المعروف في السور اليوم، وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثالث وكانت سنة 25 هـ.
روى البخاري عن أنس "أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: "أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسانِ قريشٍ؛ فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد: آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} فألحقناها في سورتها في المصحف".
ولم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن؛ خشية أن يذهب بذهاب جملته، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه، ولا تأخير تفرض قراءته، وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد، وذلك حين كثر الاختلاف في وجوه القراءة حين قرؤوا بلغاتهم على اتساعها فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا، وخشي من تفاقم الأمر.
4- القرآن سور وآيات منها القصار والطوال، والآية: هي الجملة من كلام الله المندرجة في سورة من القرآن، والسورة: هي الجملة من آيات القرآن ذات المطلع والمقطع، وترتيب الآيات في القرآن توقيفي عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحكى بعضهم الإجماع في ذلك، فقد كان جبريل يتنزل بالآيات على رسول الله ويرشده إلى موضعها من السورة أو الآيات التي نزلت قبل، فيأمر الرسول كتبة الوحي بكتابتها في موضعها ويقول لهم: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو ضعوا آية كذا في موضع كذا كما بلغتها أصحابه كذلك.
والثابت في الأحاديث أن جبريل كان يعارض بالقرآن رسول الله كل عام مرة، وعارضه في العام الأخير من حياته مرتين، وكان ذلك العرض على الترتيب المعروف الآن -وبهذا يكون ترتيب آيات القرآن الكريم كما هو في المصحف المتداول في أيدينا توقيفيًّا- ويدل عليه ما ثبت في كثير من النصوص؛ فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: "كنت جالسًا عند رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: ((أتاني جبريل فأمر في أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة)) {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} الآية".
وروى مسلم عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)). وفي لفظ عنده ((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف)). وثبتت قراءة رسول الله لسور عديدة، كسورة البقرة وآل عمران والنساء، وجاء أنه قرأ الأعراف عن الغرب، وأنه كان يقرأ في صبح الجمعة {الم. تَنْزِيلُ} (السجدة) و{هَلْ أَتَى عَلَى الْإنْسَانِ} (الدهر) وكان يقرأ سورة في الخطبة، ويقرأ الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة.
5- أما ترتيب السور فاختلف العلماء فيه:
أ- فقيل: إنه توقيفي تولاه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما أخبر به جبريل عن أمر ربه فكان القرآن على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرتب السور كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم المخالفة والإجماع عليه، ويؤيد هذا الرأي قراءة بعض السور مرتبة من رسول الله في صلاته، والفصل بين السور المسبحات دون الحواميم والطواسيم، وقد روي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: "سمعت ربيعة يسأل: لِمَ قُدِّمَتِ البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة مكية؛ وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وإلف القرآن على علم ممن ألفه به، ثم قال: فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه".
ب- وقيل: إن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب، فمصحف علي كان مرتبًا على النزول، أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وأول مصحف أبي الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وقد روى ابن عباس قال: "قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقارنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ووضعتموها في السبع الطوال، فقال: كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: ((ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا))، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فَظُنَّتْ أنها منها فقبض رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يبين لنا أنه منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ووضعتها في السبع الطوال".
ج- وقيل: إن بعض السور ترتيبه توقيفي وبعضها باجتهاد الصحابة فكان القرآن على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرتب السور والآيات على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة؛ لحديث عثمان السابق وإلى هذا ذهب البيهقي، وقد ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصل في حياته -عليه السلام- ففي البخاري ((أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين)). وفي حديث حذيفة الثقفي ((فقال لنا رسول الله: طرأ علي ضرب من القرآن فأردت ألا أخرج حتى أقضيه))، فسألنا أصحاب رسول الله قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب من: ق حتى نختم". فيحتمل أن المرتب حينئذ حزب المفصل خاصة وأن يكون ما سوى ذلك قد فوض الأمر فيه مما لم يعلم ترتيبه عن الرسول إلى الصحابة من بعده.
6- وسور القرآن أقسام أربعة:
1- الطوال.
2- والمئين.
3- والمثاني.
4-والمفصل.
فالطوال سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة، قيل: هي الأنفال وبراءة معا لعدم الفصل بينهما بالبسملة. وقيل: هي يونس. والمئون التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها. والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات لأنها تثنى في القراءة وتكرر أكثر من الطوال والمئين. والمفصل: قيل: من أول سورة ق وقيل: من أول الحجرات، وأقسامه ثلاثة طواله وأوساطه وقصاره، فطواله من ق أو الحجرات إلى عم أو البروج، ومن عم أو البروج إلى الضحى أو إلى لم يكن، ثم إلى آخر القرآن على خلاف من ذلك وتسميته بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة -وتعداد السور مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: وثلاثة عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة.
أما تعداد الآيات فستة آلاف ومائتان وكسر مختلف فيه، وأطول الآيات أية الدين، وأطول السور سورة البقرة، وهذه التجزئة تيسر على الناس الحفظ وتحملهم على الدراسة، وتشعر القارئ لسورة من السور بأنه قد أخذ قسطًا وافيًا، وطائفة مستقلة من تعاليم دينه وأحكام شريعته.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18868
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق