أطوار بدء التدوين - الجزء الرابع
مراجع :الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي.
أطوار بدء التدوين
ولقد كنت في زمان الطلب أتعجب من المتقدمين؛ إذ لم يدونوا كتابًا في أنواع علوم القرآن، كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فسمعت شيخنا أستاذ الأستاذين، وإنسان عين الناظرين، خلاصة الوجود علامة الزمان فخر العصر، وعين الأوان أبا عبد الله محيي الدين الكافيجي مد الله في أجله، وأسبغ عليه ظله، يقول: قد دونت في علوم التفسير كتابًا لم أُسْبَقُ إليه، فكتبته عنه فإذا هو صغير الحجم جدًّا، وحاصل ما فيه بابان:
الأول: في ذكر معنى التفسير، والتأويل، والقرآن، والسورة، والآية.
والثاني: في شروط القول فيه بالرأي. وبعدهما: خاتمة في آداب العالم والمتعلم، فلم يشفِ لي ذلك غليلًا، ولم يهد إلى المقصود سبيلًا.
ثم أوقفني شيخنا شيخ مشايخ الإسلام قاضي القضاة، وخلاصة الأنام، حامل لواء المذهب المطلبي، علم الدين البلقيني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- على كتاب في ذلك لأخيه قاضي القضاة جلال الدين سماه: مواقع العلوم من مواقع النجوم، فرأيته تأليفًا لطيفًا، ومجموعًا ظريفًا، ذا ترتيب، وتقرير، وتنويع، وتحبير، قال في خطبته: "قد اشتهرت عن الإمام الشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس فيها: ذكر بعض أنواع القرآن، يحصل منها لمقصدنا الاقتباس"، وقد صنف في علوم الحديث جماعة في القديم، والحديث، وتلك الأنواع في سنده دون متنه، وفي مسنديه، وأهل فنه، وأنواع القرآن شاملة، وعلومه كاملة، فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إلى علمي مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، وينحصر في أمور:
الأمر الأول: مواطن النزول، وأوقاته، ووقائعه، وفي ذلك: اثنا عشر نوعًا: المكي، المدني، السفري، الحضري، الليلي، النهاري، الصيفي، الشتائي، الفراشي، النومي، أسباب النزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.
الأمر الثاني: السند، وهو ستة أنواع: المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبي، الرواة الحفاظ.
الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع: الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام.
الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع: الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.
الأمر الخامس: المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعًا: العام الباقي على عمومه، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السنة، ما خصصت فيه السنة الكتاب، المجمل، المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ والمنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ، وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة، والعامل به واحد من المكلفين.
الأمر السادس المعاني المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع: الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر، وبذلك تكملت الأنواع خمسين، ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات، فهذا نهاية ما حصر من الأنواع.
هذا آخر ما ذكره القاضي جلال الدين في الخطبة؛ ثم تكلم في كل نوع منها بكلام مختصر يحتاج إلى تحرير، وتتمات، وزوائد مهمات.
فصنفت في ذلك كتابا سميته (التحبير في علوم التفسير)، ضمنته ما ذكر البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها، وقلت في خطبته: أما بعد فإن العلوم وإن كثر عددها، وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحر قعره لا يدرك، ونهايتها طود شامخ لا يستطاع إلى ذروته أن يسلك، ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق إليه من المتقدمين الأسباب.
وإن مما أهمل المتقدمون تدوينه حتى تحلى في آخر الزمان بأحسن زينة، علم التفسير الذي هو كمصطلح الحديث، فلم يدونه أحد لا في القديم، ولا في الحديث، حتى جاء شيخ الإسلام وعمدة الأنام، علامة العصر قاضي القضاة جلال الدين البلقيني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فعمل فيه كتابه (مواقع العلوم من مواقع النجوم)، فنقحه وهذبه، وقسم أنواعه ورتبه، ولم يسبق إلى هذه المرتبة، فإنه جعله نيفًا وخمسين نوعًا منقسمة إلى ستة أقسام، وتكلم في كل نوع منها بالمتين من الكلام، فكان كما قال الإمام أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة (نهايته): كل مبتدئ لشيء لم يسبق إليه، ومبتدع أمرًا لم يتقدم فيه عليه، فإنه يكون قليلًا ثم يكثر، وصغيرًا ثم يكبر.
فظهر لي استخراج أنواع لم يسبق إليها، وزيادة مهمات لم يستوف الكلام عليها، فجردت الهمة إلى وضع كتاب في هذا العلم، وأجمع به إن شاء الله تعالى شوارده، وأضم إليه فوائده، وأنظم في سلكه فرائده؛ لأكون في إيجاد هذا العلم ثاني اثنين، وواحدًا في جمع الشتيت منه، كألف أو كألفين، ومصيرًا فني التفسير والحديث في استكمال التقاسيم إلفين. وإذ برز نور كمامه وفاح، وطلع بدر كماله ولاح، وأذن فجره بالصباح، ونادى داعيه بالفلاح، سميته (التحبير في علوم التفسير).
وهذه فهرست الأنواع بعد المقدمة: النوع الأول والثاني: المكي والمدني، الثالث والرابع: الحضري والسفري، الخامس والسادس: النهاري والليلي، السابع والثامن: الصيفي والشتائي، التاسع والعاشر: الفراشي والنومي، الحادي عشر: أسباب النزول. الثاني عشر: أول ما نزل. الثالث عشر: آخر ما نزل، الرابع عشر: ما عرفت وقت نزوله، الخامس عشر: ما أنزل فيه ولم ينزل على أحد من الأنبياء، السادس عشر: ما أنزل منه على الأنبياء. السابع عشر: ما تكرر نزوله. الثامن عشر: ما نزل مفرقا. التاسع عشر: ما نزل جمعا. العشرون: كيفية إنزاله؟
وهذه كلها متعلقة بالنزول.
الحادي والعشرون: المتواتر. الثاني والعشرون: الآحاد. الثالث والعشرون: الشاذ. الرابع والعشرون: قراءات النبي. الخامس والسادس والعشرون: الرواة والحفاظ. السابع والعشرون: كيفية التحمل. الثامن والعشرون: العالي والنازل. التاسع والعشرون: المسلسل، وهذه متعلقة بالسند. الثلاثون: الابتداء. الحادي والثلاثون: الوقف. الثاني والثلاثون: الإمالة. الثالث والثلاثون: المد. الرابع والثلاثون: تخفيف الهمزة. الخامس والثلاثون: الإدغام. السادس والثلاثون: الإخفاء. السابع والثلاثون: الإقلاب. الثامن والثلاثون: مخارج الحروف، وهذه متعلقة بالأداء. التاسع والثلاثون: الغريب. الأربعون: المعرب. الحادي والأربعون: المجاز. الثاني والأربعون: المشترك. الثالث والأربعون: المترادف. الرابع والخامس والأربعون: المحكم والمتشابه. السادس والأربعون: المشكل. السابع والثامن والأربعون: المجمل والمبين. التاسع والأربعو:ن الاستعارة. الخمسون: التشبيه. الحادي والثاني والخمسون: الكناية والتعريض. الثالث والخمسون: العام الباقي على عمومه. الرابع والخمسون: العام المخصوص. الخامس والخمسون: العام الذي أريد به الخصوص. السادس والخمسون: ما خص فيه الكتاب السنة. السابع والخمسون: ما خصت فيه السنة الكتاب. الثامن والخمسون: المؤول. التاسع والخمسون: المفهوم. الستون والحادي والستون: المطلق والمقيد. الثاني والثالث والستون: الناسخ والمنسوخ. الرابع والستون: ما عمل به واحد ثم نسخ. الخامس والستون: ما كان واجبا على واحد. السادس والسابع والثامن والستون: الإيجاز، والإطناب، والمساواة. التاسع والستون: الأشباه. السبعون والحادي والسبعون: الفصل والوصل. الثاني والسبعون: القصر. الثالث والسبعون: الاحتباك. الرابع والسبعون: القول بالموجب. الخامس والسادس والسابع والسبعون: المطابقة، والمناسبة، والمجانسة. الثامن والتاسع والسبعون: التورية والاستخدام. الثمانون: اللف والنشر. الحادي والثمانون: الالتفات. الثاني والثمانون: الفواصل والغايات. الثالث والرابع والخامس والثمانون: أفضل القرآن، وفاضله، ومفضوله. السادس والثمانون: مفردات القرآن. السابع والثمانون: الأمثال. الثامن والتاسع والثمانون: آداب القارئ والمقرئ. التسعون: آداب المفسر. الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد. الثاني والتسعون: غرائب التفسير. الثالث والتسعون: معرفة المفسرين. الرابع والتسعون: كتابة القرآن. الخامس والتسعون: تسمية السور. السادس والتسعون: ترتيب الآي والسور. السابع والثامن والتاسع والتسعون: الأسماء، والكنى، والألقاب. المائة: المبهمات. الأول بعد المائة: أسماء من نزل فيهم القرآن. الثاني بعد المائة: التاريخ. وهذا آخر ما ذكرته في خطبة التحبير، وقد تم هذا الكتاب، ولله الحمد من سنة اثنتين وسبعين، وكتبه من هو في طبقة أشياخي من أولي التحقيق، ثم خطر لي بعد ذلك أن أؤلف كتابًا مبسوطًا، ومجموعًا، مضبوطًا، أسلك فيه طريق الإحصاء، وأمشي فيه على منهاج الاستقصاء، هذا كله - وأنا أظن أني متفرد بذلك غير مسبوق بالخوض في هذه المسالك - فبينا أنا أجيل في ذلك فكرًا أقدم رجلًا وأؤخر أخرى، إذ بلغني أن الشيخ الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي أحد متأخري أصحابنا الشافعيين: ألف كتابًا في ذلك حافلًا يسمى البرهان في علوم القرآن، فتطلبته حتى وقفت عليه فوجدته قال في خطبته: لما كانت علوم القرآن لا تحصى ومعانيه لا تستقصى؛ وجبت العناية بالقدر الممكن، ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث، فاستخرت الله - تعالى وله الحمد - في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته، وعيونه، وضمنته من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة، ما بهر القلوب عجبًا ليكون مفتاحًا لأبوابه، عنوانًا على كتابه معينًا للمفسر على حقائقه، مطلعًا على بعض أسراره، ودقائقه، وسميته: البرهان في علوم القرآن، وهذه فهرست أنواعه، النوع الأول: معرفة سبب النزول، الثاني: معرفة المناسبة بين الآيات. الثالث: معرفة الفواصل. الرابع: معرفة الوجوه والنظائر. الخامس: علم المتشابه. السادس: علم المبهمات. السابع: في أسرار الفواتح. الثامن: في خواتم السور. التاسع: في معرفة المكي والمدني. العاشر: في معرفة أول ما نزل. الحادي عشر: معرفة على كم لغة نزل. الثاني عشر: في كيفية إنزاله. الثالث عشر: في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة. الرابع عشر: معرفة تقسيمه. الخامس عشر: معرفة أسمائه. السادس عشر: معرفة ما وقع فيه من غير لغة الحجاز. السابع عشر: معرفة ما فيه من غير لغة العرب. الثامن عشر: معرفة غريبه. التاسع عشر: معرفة التصريف. العشرون: معرفة الأحكام. الحادي والعشرون: معرفة كون اللفظ أو التركيب أحسن وأفصح. الثاني والعشرون: معرفة اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص. الثالث والعشرون: معرفة توجيه القرآن. الرابع والعشرون: معرفة الوقف. الخامس والعشرون: علم مرسوم الخط. السادس والعشرون: معرفة فضائله. السابع والعشرون: معرفة خواصه. الثامن والعشرون: هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟. التاسع والعشرون: في آداب تلاوته. الثلاثون: في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات القرآن؟. الحادي والثلاثون: معرفة الأمثال الكامنة فيه. الثاني والثلاثون: معرفة أحكامه. الثالث والثلاثون: معرفة جدله. الرابع والثلاثون: معرفة ناسخه ومنسوخه. الخامس والثلاثون: معرفة موهم المختلف. السادس والثلاثون: معرفة المحكم من المتشابه. السابع والثلاثون: في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات. الثامن والثلاثون: معرفة إعجازه. التاسع والثلاثون: معرفة وجوب متواتره. الأربعون: في بيان معاضدة السنة الكتاب. الحادي والأربعون: معرفة تفسيره. الثاني والأربعون: معرفة وجوه المخاطبات. الثالث والأربعون: بيان حقيقته ومجازه. الرابع والأربعون: في الكنايات والتعريض. الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام. السادس والأربعون: في ذكر ما تيسر من أساليب القرآن. السابع والأربعون: في معرفة الأدوات.
واعلم: أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير. هذا آخر كلام الزركشي في خطبته.
ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورًا، وحمدت الله كثيرًا، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته، وشددت الحزم في إنشاء التصنيف الذي قصدته، فوضعت هذا الكتاب العلي الشأن، الجلي البرهان، الكثير الفوائد والإتقان، ورتبت أنواعه ترتيبا أنسب من ترتيب البرهان، وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقه أن يبان وزدته على ما فيه من الفوائد، والفرائد، والقواعد، والشوارد، ما يشنف الآذان وسميته بـ (الإتقان في علوم القرآن)، وسترى في كل نوع منه -إن شاء الله تعالى- ما يصلح أن يكون بالتصنيف مفردا، وستروى من مناهله العذبة ريًّا لا ظمأ بعده أبدًا، وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته: بــ(مجمع البحرين ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية وتقرير الدراية)، ومن الله استمد التوفيق والهداية والمعونة والرعاية، إنه قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
وهذه فهرست أنواعه:
النوع الأول: معرفة المكي والمدني. الثاني: معرفة الحضري والسفري. الثالث: النهاري والليلي. الرابع: الصيفي والشتائي. الخامس: الفراشي والنومي. السادس: الأرضي والسمائي. السابع: أول ما نزل. الثامن: آخر ما نزل. التاسع: أسباب النزول. العاشر: ما نزل على لسان بعض الصحابة. الحادي عشر: ما تكرر نزوله. الثاني عشر: ما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه. الثالث عشر: معرفة ما نزل مفرقًا وما نزل جمعًا. الرابع عشر: ما نزل مشيعًا وما نزل مفردًا. الخامس عشر: ما أنزل منه على بعض الأنبياء، وما لم ينزل منه على أحد قبل النبي. السادس عشر: في كيفية إنزاله. السابع عشر: في معرفة أسمائه، وأسماء سوره. الثامن عشر: في جمعه وترتيبه. التاسع عشر: في عدد سوره، وآياته، وكلماته، وحروفه. العشرون: في حفاظه ورواته. الحادي والعشرون: في العالي والنازل. الثاني والعشرون: معرفة المتواتر. الثالث والعشرون: في المشهور. الرابع والعشرون: في الآحاد. الخامس والعشرون: في الشاذ. السادس والعشرون: الموضوع. السابع والعشرون: المدرج. الثامن والعشرون: في معرفة الوقف والابتداء. التاسع والعشرون: في بيان الموصول لفظًا المفصول معنى. الثلاثون: في الإمالة والفتح وما بينهما. الحادي والثلاثون: في الإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب. الثاني والثلاثون: في المد والقصر. الثالث والثلاثون: في تخفيف الهمزة. الرابع والثلاثون: في كيفية تحمله. الخامس والثلاثون: في آداب تلاوته. السادس والثلاثون: في معرفة غريبه. السابع والثلاثون: فيما وقع فيه بغير لغة الحجاز. الثامن والثلاثون: فيما وقع فيه بغير لغة العرب. التاسع والثلاثون: في معرفة الوجوه والنظائر. الأربعون: في معرفة معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. الحادي والأربعون: في معرفة إعرابه. الثاني والأربعون: في قواعد مهمة يحتاج المفسر إلى معرفتها. الثالث والأربعون: في المحكم والمتشابه. الرابع والأربعون: في مقدمه ومؤخره. الخامس والأربعون: في خاصه وعامه. السادس والأربعون: في مجمله ومبينه. السابع والأربعون: في ناسخه ومنسوخه. الثامن والأربعون: في مشكله، وموهم، الاختلاف، والتناقض. التاسع والأربعون: في مطلقه ومقيده. الخمسون: في منطوقه ومفهومه. الحادي والخمسون: في وجوه مخاطباته. الثاني والخمسون: في حقيقته ومجازه. الثالث والخمسون: في تشبيهه واستعارته. الرابع والخمسون: في كناياته وتعريضه. الخامس والخمسون: في الحصر والاختصاص. السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب. السابع والخمسون: في الخبر والإنشاء. الثامن والخمسون: في بدائع القرآن. التاسع والخمسون: في فواصل الآي. الستون: في فواتح السور. الحادي والستون: في خواتم السور. الثاني والستون: في مناسبة الآيات والسور. الثالث والستون: في الآيات المشتبهات. الرابع والستون: في إعجاز القرآن. الخامس والستون: في العلوم المستنبطة من القرآن. السادس والستون: في أمثاله. السابع والستون: في أقسامه. الثامن والستون: في جدله. التاسع والستون: في الأسماء، والكنى، والألقاب. السبعون: في مبهماته. الحادي والسبعون: في أسماء من نزل فيهم القرآن. الثاني والسبعون: في فضائل القرآن. الثالث والسبعون: في أفضل القرآن وفاضله. الرابع والسبعون: في مفردات القرآن. الخامس والسبعون: في خواصه. السادس والسبعون: في رسوم الخط وآداب كتابته. السابع والسبعون: في معرفة تأويله، وتفسيره، وبيان شرفه، والحاجة إليه. الثامن والسبعون: في شروط المفسر وآدابه. التاسع والسبعون: في غرائب التفسير. الثمانون: في طبقات المفسرين.
فهذه ثمانون نوعًا على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة، وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة، وقفت على كثير منها.
مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني.
أطوار بدء التدوين
المبحث الثاني: في تاريخ علوم القرآن وظهور اصطلاحه عهد ما قبل التدوين، كان الرسول وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء من بعد، ولكن معارفهم لم توضع على ذلك العهد كفنون مدونة، ولم تجمع في كتب مؤلفة؛ لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف، أما الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده، والله تعالى كتب على نفسه الرحمة ليجمعنه له في صدره، وليطلقن لسانه بقراءته، وترتيله، وليميطن له اللثام عن معانيه، وأسراره، اقرأ إن شئت قوله سبحانه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثم بلغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه، وقرأه على الناس على مكث، أي: على مهل وتؤدة ليحسنوا أخذه، ويحفظوا لفظه، ويفهموا سره، ثم شرح الرسول لهم القرآن بقوله، وبعمله، وبتقريره وبخلقه، أي: بسنته الجامعة لأقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته مصداقًا لقوله سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ولكن الصحابة وقتئذٍ كانوا عربًا خلصًا متمتعين بجميع خصائص العروبة، ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع رحمة العلوم وكثرة الفنون، وكان الصحابة -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- مع هذه الخصائص أميين وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم، والرسول نهاهم أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وقال لهم: أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا تَكْتُبوا عني، وَمَن كَتَبَ غَيْرَ القُرْآَنِ فَلْيَمْحُهُ، وحَدِّثُوا عَنِّي فَلاَ حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ متعمدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأُ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلًا بالقرآن، فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن، كما لم يكتب الحديث الشريف، ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر، ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام، وتعاليمه، والقرآن، وعلومه، والسنة، وتحريرها، تلقينًا لا تدوينًا، ومشافهة لا كتابة، عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن، ثم جاءت خلافة عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقد اتسعت رقعة الإسلام، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من العرب من جراء هذا الفتح والاختلاف، بل خيف على القرآن نفسه أن يختلف المسلمون فيه، إن لم يجتمعوا على مصحف إمام، فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير؛ لهذا أمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن يجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس كل ما عداها، ولا يعتمدوا سواها كما يأتيك تفصيله في مبحث جمع القرآن وكتابته، وبهذا العمل وضع عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الأساس لما نسميه علم رسم القرآن، أو علم الرسم العثماني، ثم جاء علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فلاحظ العجمة تحيف على اللغة العربية، وسمع ما أوجس منه خيفة على لسان العرب، فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض قواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل، وخط له الخطط، وشرع له المنهج، وبذلك يمكننا أن نعتبر أن عليًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قد وضع الأساس لما نسميه علم النحو، ويتبعه علم إعراب القرآن على الخلاف في هذه الرواية، ثم انقضى عهد الخلافة الرشيدة، وجاء عهد بني أمية وهمة مشاهير الصحابة والتابعين متجهة إلى نشر علوم القرآن بالرواية والتلقين، لا بالكتابة والتدوين، ولكن هذه الهمة في هذا النشر يصح أن نعتبرها تمهيدًا لتدوينها، وعلى رأس من ضرب بسهم وفير في هذه الرواية: الأربعة الخلفاء، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكلهم من الصحابة -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- وعلى رأس التابعين في تلك الرواية: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم بالمدينة، وعنه: أخذ ابنه عبد الرحمن، ومالك بن أنس من تابعي التابعين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أجمعين، وهؤلاء جميعًا يعتبرون أنهم واضعو الأساس لما يسمى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ، والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، ونحو ذلك، وستجد بسطًا لهذا الإجمال في بحث طبقات المفسرين عهد التدوين لعلوم القرآن بالمعنى الإضافي، ثم جاء عصر التدوين، فألفت كتب في أنواع علوم القرآن، واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أم العلوم القرآنية، لما فيه من التعرض لها في كثير من المناسبات، عند شرح الكتاب العزيز، ومن أوائل الكاتبين في التفسير: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهم من علماء القرن الثاني، ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفي سنة 310هـ وكتابه أجل التفاسير وأعظمها؛ لأنه أول من عرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، كما عرض للإعراب والاستنباط، وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا، حتى وجدت منه مجموعة رائعة فيها: المعجب، والمطرب، والموجز، والمطول والمتوسط، ومنها: التفسير بالمعقول والتفسير بالمأثور، ومنها: تفسير القرآن كله، وتفسير جزء، وتفسير سورة، وتفسير آية، وتفسير آيات الأحكام، إلى غير ذلك.
أما علوم القرآن الأخرى: ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ البخاري؛ إذ ألف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام؛ إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث، وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع، وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن: علي ابن سعيد الحوفي، وهو من علماء القرن الخامس، ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي، وهو من علماء القرن السادس، كذلك تصدر للتأليف في مجاز القرآن: ابن عبد السلام، وفي القراءات علم الدين السخاوي، وهما من علماء القرن السابع، وهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن، وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، سواء في ذلك أقسام القرآن، وأمثال القرآن، وحجج القرآن، وبدائع القرآن، ورسم القرآن، وما أشبهها مما يروعك تصوره، بله الاطلاع عليه، ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم، ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا، هذا يزيدون وعلوم القرآن، ومؤلفاته تنمى وتزدهر، وتزيد بينما الزمان يفنى والعالم يبيد، أليس إعجازًا آخر للقرآن يريك إلى أي حد بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل؟! ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه، ولن يستطيع أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله، إذا أضفت إلى علوم القرآن ما جاء في الحديث النبوي الشريف، وعلومه، وكتبه، وبحوثه باعتبارها من علوم القرآن، نظرًا إلى أن الحديث شارح للقرآن، يبين مبهماته، ويفصل مجملاته، ويخصص عامه، كما قال سبحانه لنبيه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أقول: إذا أضفت الحديث النبوي وعلومه إلى علوم القرآن تراءى لك بحر متلاطم الأمواج، فإذا زدت عليها سائر العلوم الدينية، والعربية باعتبارها خادمة للقرآن، أو مستمدة منه رأيت نفسك أمام مؤلفات كالجبال، وموسوعات تكاثر الرمال، ولا يسعك حينئذٍ إلا أن تردد قول الله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} وتزداد عجبًا إذا علمت أن طريقة أولئك المؤلفين في تأليفهم كانت طريقة استيعاب واستقصاء يعمد أصحابها أن يحيطوا بجزئيات القرآن، من الناحية التي كتبوا فيها بقدر طاقتهم البشرية، فمن يكتب في غريب القرآن مثلًا، يذكر كل مفرد من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام، ومن يكتب في مجاز القرآن يقتفي أثر كل لفظ فيه مجاز أيًّا كان نوعه في القرآن، ومن يكتب في أمثال القرآن يتحدث عن كل مثلٍ ضربه الله في القرآن، وهكذا سائر أنواع علوم القرآن، ولا ريب أن تلك المجهودات الجبارة لا يتهيأ لإنسان أن يحيط بها، ولو أفنى عمره، واستنفد وسعه، لهذا اشرأبت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علمًا جديدًا يكون كالفهرس لها، والدليل عليها، والمتحدث عنها، فكان هذا العلم هو ما نسميه علوم القرآن بالمعنى المدون، ولا نعلم أن أحدًا قبل المائة الرابعة للهجرة ألف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدون؛ لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف، وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب، ولم يفردوها باسم، أجل كانت علوم القرآن مجموعة في صدور المبرزين من العلماء، فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنه في محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن، وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبلًا بالحديد في بغداد، سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله، فقال: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به، فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله تعالى قد أنزل كتبًا كثيرة، قال الرشيد: قد أحسنت لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد، فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة فهل تسألني عن محكمه، ومتشابهه، أو عن تقديمه، وتأخيره، أو عن ناسخه ومنسوخه، أو عن أو عن، وصار يسرد عليه من علوم القرآن، ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين.
فأنت ترى من جواب الشافعي هذا: ومن فلجه بالصواب في هذا الموقف الرهيب ما يدلك على أن قلوب أكابر العلماء كانت أناجيل لعلوم القرآن من قبل أن تجمع في كتاب، أو تدون في علم، وقد نوه جلال الدين البلقيني في خطبة كتابه بكلمة الشافعي التي ذكرناها، إذ قال: قد اشتهر عن الإمام الشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مخاطبة لبعض خلفاء بني العباس، فيها ذكر بعض أنواع علوم القرآن يحصل منها لمقصدنا الاقتباس، ونحن لا نستبعد على الشافعي هذا، فقد كان آية من آيات الله في علمه، وذكائه، وفي ابتكاره، وتجديده، وفي قوة حجته، وتوفيقه، حتى إنه وضع كتابه "الحجة" في العراق يستدرك به على مذاهب بعض أهل الرأي، وألف في مصر كتبًا يستدرك بها على مذاهب بعض أهل الحديث، ثم وضع دستورًا للاجتهاد والاستنباط لم يتسن لأحد قبله؛ إذ كان أول من صنف في أصول الفقه، وهو من علوم القرآن، كما علمت.
قال ابن خلدون في "مقدمته": كان أول من كتب فيه، أي: علم أصول الفقه الشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها على الأوامر والنواهي، والبيان والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة من القياس. اهـ.
وقال الزركشي في كتابه: "البحر المحيط في أصول الفقه": الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتابه الرسالة، وكتاب "أحكام القرآن"، و"اختلاف الحديث"، و"إبطال الاستحسان"، وكتاب "جماع العلم"، وكتاب "القياس" الذي ذكر فيه تضليل المعتزلة، ورجوعه عن قبول رسالتهم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وعن سائر الأئمة المجتهدين.
أول عهد لظهور هذا الاصطلاح:
ولقد كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن: أن أول عهد ظهر فيه هذا الاصطلاح أي: اصطلاح علوم القرآن هو القرن السابع، لكني ظفرت في دار الكتب المصرية بكتاب لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي المتوفي سنة 330هـ اسمه: "البرهان في علوم القرآن"، وهو يقع في ثلاثين مجلدًا، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدًا، غير مرتبة ولا متعاقبة، من نسخة مخطوطة، وإذن نستطيع أن نتقدم بتاريخ هذا الفن نحو قرنين من الزمان، أي: إلى بداية القرن الخامس بدلًا من القرن السابع، ولقد كنت مشغوفًا أن أقرأ مقدمة كتابه هذا لآخذ اعترافًا صريحًا منه بمحاولته إنشاء هذا العلم الوليد، ولكن ماذا أصنع والجزء الأول مفقود؟ غير أن اسم الكتاب يدلني على هذه المحاولة، وكذلك استعرضت بعض الأجزاء الموجودة فرأيته يعرض الآية الكريمة بترتيب المصحف، ثم يتكلم عليها من علوم القرآن خاصا كل نوع منها بعنوان، فيسوق النظم الكريم تحت عنوان: القول في قوله -عَزَّ وَجَلَّ- وبعد أن يفرغ منه يضع هذا العنوان: القول في الإعراب، ويتحدث عنها من الناحية النحوية واللغوية، ثم يتبع ذلك بهذا العنوان: القول في المعنى والتفسير، ويشرح الآية بالمأثور والمعقول، ثم ينتقل من الشرح إلى العنوان الآتي: القول في الوقف والتمام، مبينًا تحته ما يجوز من الوقف، وما لا يجوز، وقد يفرد القراءات بعنوان مستقل، فيقول: القول في القراءة، وقد يتكلم في الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الآية عند عرضها، ففي آية {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} من سورة البقرة يذكر أوقات الصلاة، وأدلتها، وأنصبة الزكاة، ومقاديرها، ويتكلم على أسباب النزول، وعلى النسخ، وما إلى ذلك عند المناسبة.
فأنت ترى أن هذا الكتاب أتى على علوم القرآن، ولكن لا على طريقة ضم النظائر والأشباه بعضها إلى بعض تحت عنوان واحد لنوع واحد، بل على طريقة النشر والتوزيع، تبعًا لانتشار الألفاظ المتشاكلة في القرآن، وتوزعها حتى كأن هذا التأليف تفسير من التفاسير، عرض فيه صاحبه لأنواع من علوم القرآن عند المناسبات، وأيًّا ما يكن هذا الكتاب فإنه مجهود عظيم، ومحاولة جديرة بالتقدير في هذا الباب، جزى الله مؤلفه خير الجزاء، ثم جاء القرن السادس، فألف فيه ابن الجوزي المتوفي سنة 597هـ كتابين، أحدهما: اسمه فنون الأفنان في علوم القرآن، والثاني: اسمه المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن، وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية، وفي القرن السابع: ألف علم الدين السخاوي المتوفي سنة 641ه كتابًا سماه "جمال القراء"، وألف أبو شامة المتوفي سنة 665هـ كتابًا أسماه "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز"، وهما كما قال السيوطي: عبارة عن طائفة يسيرة، ونبذ قصيرة بالنسبة للمؤلفات التي ألفت بعد ذلك في هذا النوع، ثم أهل القرن الثامن فكتب فيه بدر الدين الزركشي المتوفي سنة 794ه كتابًا سماه "البرهان في علوم القرآن"، وتوجد منه نسخة مخطوطة بالخزانة التيمورية في دار الكتب المصرية تقع في مجلدين ناقصين، ثم طلع القرن التاسع على هذا العلم باليمن والبركة فدرج فيه، وترعرع إذ ألف محمد بن سليمان الكافيجي المتوفي سنة 873هـ كتابًا يقول السيوطي عنه: إنه لم يسبق إليه، وقد اشتمل على بابين:
الأول: في ذكر معنى التفسير، والتأويل، والقرآن، والسورة، والآية.
أما الثاني: ففي شروط القول في القرآن بالرأي، وبعدهما خاتمة في آداب العالم، والمتعلم غير أنه قال أخيرًا: ولكن ذلك لم يشف لي غليلًا ولم يهدني إلى المقصود سبيلا اهـ وفي هذا القرن أيضًا : وضع جلال الدين البلقيني كتابًا سماه: "مواقع العلوم من مواقع النجوم"، وقد رتبه على ستة مباحث:
الأول: في مواطن النزول، وأوقاته، ووقائعه، وفيه: اثنا عشر نوعًا.
الثاني: في سند القرآن، وهو ستة أنواع.
الثالث: في أدائه، وهو ستة أنواع أيضًا .
الرابع: في ألفاظه، وهو سبعة أنواع.
الخامس: في معانيه المتعلقة بأحكامه، وهو أربعة عشرة نوعًا.
السادس: في معانيه المتعلقة بألفاظه، وهو خمسة أنواع، وبذلك يكمل الكتاب كله خمسين نوعًا، غير ما فيه من أنواع الأسماء، والكنى، والألقاب، والمبهمات، وهي لا تدخل تحت حصر، وفي هذا القرن التاسع أيضًا : ألف السيوطي كتابًا سماه "التحبير في علوم التفسير"، ضمنه ما ذكره البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وأضاف إليه فوائد سمحت قريحته بنقلها، وقد أوفى هذا الكتاب على الاثنين بعد المائة من الأنواع، وفرغ الإمام من تأليف تحبيره هذا سنة 872هـ غير أن نفسه الكبيرة لم تقنع بهذا المجهود العظيم، بل طمح إلى التبحر، والتوسع، والترتيب، فوضع كتابه الثاني: كتاب الإتقان في علوم القرآن، وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفن، ذكر فيه ثمانين نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والإدماج، ثم قال بعد أن سردها نوعًا نوعًا: ولو نوعت باعتبار ما أدمجته فيها لزادت على الثلاثمائة. اهـ وتوفي السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- سنة 911هـ في مفتتح القرن العاشر، وكأن نهايته كانت نهاية لنهضة التأليف في علوم القرآن ـ عليه سحائب الرحمة والرضوان ـ فلم نر من سار في هذا المضمار مثله بعده، كما لم نر من بزه فيه قبله علوم القرآن في القرن الأخير بيد أنه ظهرت في أيامنا بوادر استئناف لحركة النشاط والتأليف في هذا العلم، إذ ألف العلامة المرحوم الشيخ طاهر الجزائري: كتابًا جليلًا سماه التبيان في علوم القرآن يقع في قريب من ثلاثمائة صفحة، وفرغ من تأليفه سنة 1335هـ، وألف العلامة المرحوم الشيخ محمود أبو دقيقة: مذكرة قيمة لطلاب تخصص الدعوة والإرشاد بكلية أصول الدين، وقفاه العلامة الشيخ محمد علي سلامة، فوضع كتابًا حافلا لطلاب تخصص الدعوة والإرشاد، كذلك سماه منهج الفرقان في علوم القرآن، وتوجد مؤلفات في بعض مباحث علوم القرآن لكثير من أفاضل العلماء والأدباء، نذكر من بينهم الأعلام المرحومين: الشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد خلف الحسيني؛ إذ كتبوا في نزول القرآن على سبعة أحرف، وفي بعض مباحث أخرى، والمرحوم: السيد مصطفى صادق الرافعي؛ إذ ألف في إعجاز القرآن كتابًا جليلا، طبعه المغفور له: الملك فؤاد الأول على نفقته، ومنهم: المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش؛ إذ كتب محاضرات موضوعها أثر القرآن في تحرير العقل البشري، وألقاها في نادي دار العلوم، والمرحوم: الشيخ عبد العزيز الخولي، إذ وضع كتابه: القرآن الكريم وصفه، أثره، هدايته، وإعجازه، والمرحوم :الشيخ طنطاوي جوهري؛ إذ وضع رسالة سماها: القرآن والعلوم العصرية، ثم انبرى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر للقول بجواز ترجمة القرآن، وكتب في ذلك رسالة عظيمة الشأن، وأيده آخرون، وتصدى العلامة الكبير الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام بتركيا سابقًا للرد على ذلك في كتاب دقيق سماه: "مسألة ترجمة القرآن"، وظاهره آخرون.
وقد اطلعت أخيرًا على صدر كتاب اسمه: "النبأ العظيم عن القرآن الكريم والطريقة المثلى في دراسته"، فراعني دقة بحثه، وتفكيره، وراقني رقة أسلوبه، وتعبيره، ووددت لو تم هذا الكتاب، وهو لصديقي العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز مبعوث الأزهر إلى فرنسا الآن ـ رده الله سالمًا غانمًا وأمتع به الإسلام والمسلمين آمين .
خلاصة: ويمكنك أن تستخلص مما سبق أن علوم القرآن كفن مدون استهلت صارخة على يد الحوفي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، ثم تربت في حجر ابن الجوزي، والسخاوي، وأبي شامة، في القرنين السادس والسابع، ثم ترعرعت في القرن الثامن برعاية الزركشي، ثم بلغت أشدها واستوت في القرن التاسع بعناية الكافيجي وجلال الدين البلقيني، ثم اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج في نهاية القرن التاسع، وبداية العاشر بهمة فارس ذلك الميدان صاحب كتابي "التحبير" و"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي ـ عليه -ألف رحمة من الله ورضوان- ثم وقف نموها بعد ذلك حتى هذا القرن الأخير، ثم بدأت تنتعش في هذه السنين من جديد، وعسى أن تعود سيرتها الأولى {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
كلمة لا بد منها، وقبل أن ننتهي من هذا البحث: نلفت نظرك إلى أن هذا العلم يسير على سنة غيره من العلوم بين جزر ومد، وزيادة ونقص، على مقدار ما يستهدف له من مؤثرات خاصة، فلا بدع أن تجد في منهج دراستك اليوم مباحث جديدة، ومواضع مبتكرة لم تنتظم قبل في سمط علوم القرآن؛ ذلك لأن الأفكار متحركة ومتجددة؛ ولأن الشبهات التي تحوم في رءوس بعض الناس في هذا العصر، والمطاعن التي يوجهها أعداء الإسلام في هذا الجيل، قد تكون هي الأخرى جديدة ومبتكرة، ومن الحكمة أن نقاتل الناس بمثل سلاحهم، وأن ندرس في علوم القرآن ما يحمي حمى القرآن الشريف من هذا العدوان الخبيث، أضف إلى ذلك أن العلوم تخبو بالإهمال والترك، وتزكو بالدرس والبحث، سنة الله في خلقه {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}.
مباحث في علوم القرآن، لصبحي الصالح.
أطوار بدء التدوين
الفصل الأول:
لمحة تاريخية عن علوم القرآن:
كان الصحابة عربًا خلّصًا يتذوقون الأساليب الرفيعة، ويفهمون ما ينزل على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الآيات البينات، فإذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن سألوا عنه النبي -عَلَيْهِ السَّلَامُ- "كسؤالهم لما نزل: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} فقالوا: "أينا لم يظلم نفسه!" ففسّره النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٍ عَظِيمٍ}" أما رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقد آتاه الله الكتاب وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا، فلم تكن الحاجة ماسّة إلى وضع تآليف في علوم القرآن في عهد الرسول والصحابة.
وكان أكثر الصحابة أميين، ولم تكن أدوات الكتابة متسرة لديهم، فكان ذلك حائلًا أيضًا دون التأليف في هذا العلم. زد على ذلك أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نفسه قد نهاهم أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول الوحي: ((لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحهُ، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده في النار)). وكان ذلك مخافة أن يختلط القرآن بما ليس منه.
ولقد ظلت علوم القرآن تروي بالتلقين والمشافهة على عهد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثم على عهد الشيخين أبي بكر وعمر. وفي خلافة عثمان بدأ اختلاط العرب بالأعاجم، وأمر عثمان أن يجتمعوا على مصحف إمام وأن تنسخ منه مصاحف للأمصار، وأن يحرق الناس كل ما عداها. وقد رأينا تفصيل ذلك والأسباب الداعية إليه.
ويعنينا الآن أن عثمان بنسخ المصاحف قد وضع الأساس لما سمي فيما بعد "بعلم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني".
وقد اشتهر أيضًا أن عليًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أمر أبا الأسود الدؤلي (المتوفى سنة69) بوضع بعض القواعد للمحافظة على سلامة اللغة العربية. فكان علي بذلك واضع الأساس لعلم إعراب القرآن.
وفي وسعنا أن نقول: إن المهدين لهذا العلم هم:
1- الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير من الصحابة.
2- مجاهد وعطاء بن يسار وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم في المدينة، من التابعين.
3- مالك بن أ نس من أتباع التابعين، وقد أخذ عن زيد بن أسلم.
هؤلاء هم الواضعون لما نسميه علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن.
وفي عصر التدوين كان التفسير قبل كل شيء، لأنه أم العلوم القرآنية.
وممن اشتغلوا فيه وصنّفوا:
من علماء القرن الثاني: شُعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح. وكانت تفاسير هم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين. ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ. وتفسيره هو أجلّ التفاسير، لما اشتمل عليه من روايات صحيحة محررة وإعراب واستنباط وآراء قيمة.
ونشأ التفسير بالرأي إلى جانب التفسير بالمأثور، وفسر القرآن كلّه وجزء منه وسورة وأحيانًا آية أو آيات خاصة كآيات الأحكام.
أما علوم القرآن الأخرى فقد ألف:
في القرن الثالث: علي بن المديني شيخ البخاري في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ وفي القراءات وفضائل القرآن، ومحمد بن أيوب الضريس (ت294) فيما نزل بمكة وما نزل بالمدينة، ومحمد بن خلف بن المروبان (ت 309): "الحاوي في علوم القرآن".
وفي القرن الرابع: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت 328) "عجائب علوم القرآن"، تكلم فيه على فضائل القرآن، ونزوله على سبعة أحرف، وكتابة المصاحف، وعدد السور والآيات والكلمات، وأبو الحسن الأشعري "المختزن في علوم القرآن" وهو عظيم جدًا، وأبو بكر السجستاني في غريب القرآن، وأبو محمد القصاب محمد بن علي الكرخي (ت نحو 360) "نكت القرآن الدالة على البيان، في أنواع العلوم والأحكام المنبئة عن اختلاف الأنام"، ومحمد بن علي الأدفوي (ت 388)، "الاستغناء في علوم القرآن"، في عشرين مجلدًا.
وفي القرن الخامس: علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي "البرهان في علوم القرآن"، و "إعراب القرآن".
وأبو عمرو الداني (ت444) "التيسير في القراءات السبع" و "المحكم في النقط".
وفي القرن السادس: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسهيلي في مبهمات القرآن.
وفي القرن السابع ابن عبد السلام في مجاز القرآن.
وعلم الدين السخاوي في القراءات.
ثم نشأت علوم جديدة في القرآن: بدائع القرآن، حجج القرآن، أقسام القرآن، أمثال القرآن.
وكانت طريقتهم استقصاء جزئيات القرآن: وجب اختصار تلك العلوم في علم جديد موحد سمّوه "علوم القرآن".
وفي تاريخ الشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في محنته التي اتهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن، سيق مكبلًا بالحديد إلى الرشيد في بغداد، فسأله الرشيد: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به.
فقال الشافعي: عن أبي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله قد أنزل كتبًا كثيرة. قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة، فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه؟ أو عن تقديمه وتأخيره؟ أو عن ناسخه ومنسوخه؟ أو عن أو عن...
ويرى بعض الباحثين أن اصطلاح "علوم القرآن" - بالمعنى الجامع الشامل- لم يبدأ ظهوره إلا بكتاب "البرهان في علوم القرآن" لعلي بن إبراهيم ابن سعيد المشهور بالحوفي (ت430). ويقع في في 30 مجلدًا، حفظ منها 15 غير مرتبة ولا متعاقبة في نسخة مخطوطة في دار الكتب بالقاهرة برقم 59 تفسير. فقد اشتمل هذا الكتاب على بعض علوم القرآن مع أنه في الظاهر تفسير" ففيه يقول صاحب كشف الظنون:" ذكر فيه الغريب والإعراب والتفسير". ولكننا نبهنا آنفًا إلى ظهور كتب عالجت الدراسات القرآنية باسمها الصريح "علوم القرآن"، وكان أسبقها في نظرنا كتاب ابن المرزبان في القرن الثالث.
وفي القرن السادس ألّف ابن الجوزي (ت597) كتابين أحدهما "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن" والثاني: "المجتبي في علوم تتعلق بالقرآن" وهما مخطوطان في دار الكتب بالقاهرة.
وفي القرن السابع صنّفّ علم الدين السخاوي (ت643) كتابه "جمال القراء وكمال الإقراء" وأبو شامة (ت665) "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز".
وفي القرن الثامن ألف بدر الدين الزركشي (ت794) "البرهان في علوم القرآن". وقد نشره الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم وبذل في تحقيقه جهدًا مشكورًا.
وفي القرن التاسع كثر التأليف، فصنف جلال الدين البُلقيني كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم" وصنف محمد بن سليمان الكافيجي (ت879) كتابًا ذكره السيوطي، ونقل عن مؤلفه أنه قال فيه: "لم يسبق إليه"، ولكننا لا نعرف اسم هذا الكتاب. ثم ألف السيوطي (ت911) كتابه "التحبير في علوم التفسير" وأتبه "بالإتقان في علوم القرآن".
وفي القرن الأخير أقبل كثير من العلماء على تصنيف الكتب حول القرآن وتاريخه وعلومه، فألف الشيخ طاهر الجزائري "التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن" والشيخ محمد جمال الدين القاسمي "محاسن التأويل" والشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني "مناهل العرفان في علوم القرآن" والشيخ محمد على سلامة "منهج الفرقان في علوم القرآن" والشيخ طنطاوي جوهري "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" وأديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي "إعجاز القرآن" والأستاذ سيد قطب "التصوير الفني في القرآن" و"في ظلال القرآن"، والأستاذ مالك بن نبي "الظاهرة القرآنية" وهو بحث قيّم جدًّا في مسألة الوحي، والسيد الإمام محمد رشيد رضا "تفسير القرآن الحكيم" وفيه مباحث كثيرة في علوم القرآن، وأخيرًا الدكتور محمد عبد الله دراز "النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن".
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18867
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق