الأربعاء، 26 يونيو 2013

مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني. - الجزء الثانى

مراجع :


مقدمة
القرآن الكريم كتاب ختم الله به الكتب، وأنزله على نبي ختم به الأنبياء بدين عام، خالد ختم به الأديان، فهو دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كل تشريع، وأودعه كل نهضة، وناط به كل سعادة، وهو حجة الرسول، وآيته الكبرى، يقوم في فم الدنيا شاهدًا برسالته، ناطقًا بنبوته، دليلًا على صدقه وأمانته، وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه في عقائده، وعباداته، وحكمه، وأحكامه، وآدابه، وأخلاقه، وقصصه، ومواعظه، وعلومه، ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى، تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها، وتفوق سائر اللغات العالمية به في أساليبها ومادتها، وهو أولًا وآخرًا القوة المحولة التي غيرت صورة العالم، ونقلت حدود الممالك، وحولت مجرى التاريخ، وأنقذت الإنسانية العاثرة، فكأنما خلقت الوجود خلقًا جديدًا، لذلك كله كان القرآن الكريم موضع العناية الكبرى من الرسول وصحابته، ومن سلف الأمة، وخلفها جميعًا إلى يوم الناس، هذا وقد اتخذت هذه العناية أشكالًا مختلفة، فتارة ترجع إلى لفظه، وأدائه، وأخرى إلى أسلوبه وإعجازه، وثالثة: إلى كتابته ورسمه، ورابعة: إلى تفسيره وشرحه، إلى غير ذلك، ولقد أفرد العلماء كل ناحية من هذه النواحي بالبحث والتأليف، ووضعوا من أجلها العلوم، ودونوا الكتب وتباروا في هذا الميدان الواسع أشواطًا بعيدة، حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث مجيد من آثار سلفنا الصالح وعلمائنا الأعلام، وكانت هذه الثروة، ولا تزال مفخرة نتحدى بها أمم الأرض، ونفحم بها أهل الملل والنحل في كل عصر ومصر، وهكذا أصبح بين أيدينا الآن مصنفات متنوعة، وموسوعات قيمة، فيما نسميه علم القراءات، وعلم التجويد، وعلم النسخ العثماني، وعلم التفسير، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن، وما شاكل ذلك من العلوم الدينية والعربية مما يعتبر بحق أروع مظهر عرفه التاريخ، لحراسة كتاب هو سيد الكتب، وباتَ هذا المظهر معجزة جديدة مصدقة لقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ولقد أنجبت تلك العلوم الآنفة وليدًا جديدًا، هو مزيج منها جميعًا، وسليل لها جميعًا، فيه مقاصدها، وأغراضها، وخصائصها، وأسرارها، والولد سر أبيه، وقد أسموه علوم القرآن.


مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني.


معنى كلمة "علوم القرآن"
يقتضينا منهج البحث التحليلي لهذا المركب الإضافي أن نتحدث عن طرفيه، وعن الإضافة بينهما، ثم عن المراد بهذا المركب بعد نقله، وتسمية هذا الفن المدون به.
معنى كلمة علوم:
1ـ أما العلوم: فجمع علم، والعلم في اللغة: مصدر يرادف الفهم والمعرفة، ويرادف الجزم أيضًا في رأي، ثم تداولت هذا اللفظ اصطلاحات مختلفة، فالحكماء يريدون به صورة الشيء الحاصلة في العقل، أو حصول الصورة في العقل، أو تعلق النفس بالشيء على جهة انكشافه، والتحقيق عندهم: هو الإطلاق الأول، والمتكلمون يعرفون العلم بأنه: صفة يتجلى بها الأمر لمن قامت به، وهو مراد من قال منهم: إنه صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض، ولو كان هذا التمييز بوساطة الحواس، كما هو رأي الأشعري، ويطلق العلم في لسان الشرع العام: على معرفة الله تعالى، وآياته، وأفعاله في عباده وخلقه.
قال الإمام الغزالي في "الإحياء": قد كان العلم يطلق على العلم بالله تعالى وآياته، وبأفعاله في عباده، وخلقه، فتصرفوا فيه بالتخصيص حتى اشتهر في المناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها، ولكن ما ورد في فضل العلم والعلماء أكثره في المعنى الأول. اهـ، وهو يفيد أن العلم الشرعي الخاص يطلق على أخص من هذا الذي ذكره الغزالي في لسان الشرع العام، ولكن بحسب ما يقتضيه المقام، بل لقد نص الغزالي نفسه في الإحياء أيضًا : على أن الناس اختلفوا في العلم الذي هو فريضة على كل مسلم، وقال إنهم: تفرقوا فيه إلى عشرين فرقة، ثم ذهب إلى أن المراد به علم المعاملة الشامل لما يصلح الظاهر من عبادات وعادات إسلامية، ولما يصلح الباطن من عقائد الإسلام وأخلاقه.
والماديون: يزعمون أن العلم ليس إلا خصوص اليقينيات التي تستند إلى الحس وحده، وسنناقش مذهبهم في مبحث: نزول القرآن، ولسنا بسبيل بيان تلك الاصطلاحات الآنفة الذكر، فلها علومها، وكتبها، ومباحثها، إنما هو عرض عام يعرف منه كيف أن لفظًا واحدًا هو العلم أنهكته الاصطلاحات المتعددة، وتداولته النقول المتنوعة، فلا تقعنّ في لبس، إذا ورد عليك في صورة شبه متعارضة.
العلم في عرف التدوين العام:
والذي يعنينا كثيرًا هو العلم في اصطلاح آخر، هو اصطلاح علماء التدوين، لأننا بصدد الكلام في علوم القرآن كفن مدون.
قالوا: يطلق العلم على المسائل المضبوطة بجهة واحدة، والغالب أن تكون تلك المسائل نظرية كلية، وقد تكون ضرورية، وقد تكون جزئية.
أقول: وقد تكون شخصية أيضًا كمسائل علم الحديث رواية، فإنها في الواقع قضايا شخصية موضوعها ذات النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال السعد في "المقاصد" وعبد الحكيم على المطول ما يفيد: أن العلم المدون قد يطلق على طائفة من التصورات، أي: المفردات التي يتصورها العقل مضبوطة بجهة واحدة.
وأقول: يمكن أن نستخلص من ذلك كله أن العلم في عرف التدوين العام يقال: على المعلومات المنضبطة بجهة واحدة، سواء أكانت وحدة الموضوع أم وحدة الغاية، وسواء أكانت تلك المعلومات تصورات كعلم البديع أم تصديقات، وسواء أكانت تلك التصديقات قضايا كلية -وهو الغالب- أم جزئية، أم شخصية، كعلم الحديث رواية، هذا كله إطلاق واحد من إطلاقات ثلاثة لعلماء التدوين.
والإطلاق الثاني عندهم: هو الإدراك، أي: إدراك تلك المعارف السالفة. والإطلاق الثالث: هو على ما يسمونه ملكة الاستحصال، أي: التي تستحصل بها تلك المعارف، أو ملكة الاستحضار، أي: التي تستحضر بها المعارف بعد حصولها. وأول هذه الإطلاقات: هو أولاها بالقبول؛ لأنه المتبادر من نحو قولهم: تعلمت علما من العلوم، وموضوع العلم كذا، والتبادر كما يقولون: أمارة الحقيقة. ذلك ما أردنا بسطه في الكلام على لفظ علوم من قولنا علوم القرآن.





التعريفات، للجرجاني.

معنى كلمة "علوم القرآن"
العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص من الثاني، وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه، وقيل: هو مستغن عن التعريف، وقيل: العلم صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات، وقيل: العلم وصول النفس إلى معنى الشيء، وقيل: عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول، وقيل: عبارة عن صفة ذات صفة.
العلم: ينقسم إلى قسمين: قديم وحادث.
فالعلم القديم: هو العلم القائم بذاته تعالى، ولا يشبه بالعلوم المحدثة للعباد.
والعلم المحدث ينقسم على ثلاثة أقسام: بديهي، وضروري، واستدلالي.
فالبديهي: ما لا يحتاج إلى تقدم مقدمة، كالعلم بوجود نفسه، وأن الكل أعظم من الجزء.
والضروري: ما لا يحتاج فيه إلى تقديم مقدمة، كالعلم الحاصل بالحواس الخمس.
والاستدلالي: ما لا يحتاج إلى تقديم مقدمة، كالعلم بثبوت الصانع، وحدوث الأعراض.
العلم الفعلي: ما لا يؤخذ من الغير.
العلم الانفعالي: ما أخذ من الغير.
العلم الآلهي: علم باحث عن أحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها إلى المادة.
العلم الإلهي: هو الذي لا يفتقر في وجوده إلى الهيولي.
العلم الانطباعي: هو حصول العلم بالشيء بعد حصول صورته في الذهن، ولذلك يسمى علمًا حصوليًّا.
العلم الحضوري: هو حصول العلم بالشيء بدون حصول صورته في الذهن كعلم زيد لنفسه.
علم المعاني: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي الذي يطابق مقتضى الحال.
علم البيان: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
علم البديع: هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة، أي: الخلو عن التعقيد المعنوي.
علم اليقين: ما أعطاه الدليل بتصور الأمور على ما هو عليه.
علم الكلام: علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام.
العلم الطبيعي: هو العلم الباحث عن الجسم الطبيعي من جهة ما يصح عليه من الحركة والسكون.
العلم الاستدلالي: هو الذي لا يحصل بدون نظر وفكر، وقيل: هو الذي لا يكون تحصيله مقدورًا للعبد.
العلم الاكتسابي: هو الذي يحصل بمباشرة الأسباب.
العلم: ما وضع لشيء، وهو العلم القصدي، أو غلب وهو العلم الاتفاقي الذي يصير علمًا لا بوضع واضع بل بكثرة الاستعمال مع الإضافة أو اللازم لشيء بعينه خارجًا أو ذهنًا و لم تتناوله السببية.
علم الجنس: ما وضع لشيء بعينه ذهنًا، كأسامة، فإنه موضوع للمعهود في الذهن.





فيض القدير، للشوكاني.

معنى كلمة "علوم القرآن"
(العلم) أي: العلم الذي هو أصل علوم الدين، أو العلم النافع في الدين، فالتعريف للعهد.
(ثلاثة) أي: ثلاثة أقسام.
(وما سوى ذلك فهو فضل) :أي زائد لا ضرورة إلى معرفته. قال في المغرب: الفضل الزيادة، وقد غلب جمعه على ما لا خير فيه حتى قيل فضول بلا فضل وطول بلا طول. ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي.
(آية محكمة) أي: لم تنسخ، أو لا خفاء فيها. قال الحرالي: وهي التي أبرم حكمها كما يبرم الحبل الذي يتخذ حكمة، أي: زمامًا يزم به الشيء الذي يخاف خروجه عن الانضباط.
كأن الآية المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها عن جماحها وتضطرها إلى محالها. وقال الطيبي: المحكمة التي أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أم الكتاب، أي: أصله، فتحمل المتشابهات عليها، وترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل، الحاوي لمقدمات تفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربية.
(أو سنة قائمة) أي: ثابتة دائمة محافظ عليها معمول بها عملًا متصلًا، من قامت السوق: نفقت؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات وينافس فيه المحصلون، وإذا عطلت وأضيفت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه، ودوامها إما أن يكون لحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن، والضعيف المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقظ، وتفهم معانيها، واستنباط العلوم الجمة منها؛ لأن جلها بل كلها من جوامع الكلم التي أوتيها وخص بها هذا النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم.
(أو فريضة عادلة) أي: مساوية للقرآن في وجوب العمل بها وفي كونها صدقًا وصوابًا، ذكره القاضي. أو المراد العدل في القسمة أي: معدله على سهام الكتاب والسنة بلا جور، أو أنها مستنبطة منهما، وسميت عادلة؛ لأنها معادلة، أي: مساوية لما أخذ منها. قال الطيبي: ويفقه من هذا أن المراد بقوله (وما سوى ذلك فهو فضل) أن الفضل واحد الفضول الذي لا دخل له في أصل علوم الدين وما استعاذ منه :بقول أعوذ بالله من علم لا ينفع.
(د ه) في السنة (ك) في الرقاق (عن ابن عمرو) بن العاص.
قال الذهبي في "المهذب" وتبعه الزركشي: فيه عبد الرحمن بن الفم ضعيف. وقال في "المنار": فيه أيضًا عبد الرحمن بن رافع التنوخي لم تثبت عدالته، بل أحاديثه مناكير اهـ.
وأقول : فيه أيضًا عند ابن ماجه وغيره: رشد ابن سعد. ومن ثم قال ابن رجب: الحديث فيه ضعف مشهور.




لسان العرب، لابن منظور.

معنى كلمة "علوم القرآن"
والعِلْمُ نقيضُ الجهل، عَلِم عِلْمًا وعَلُمَ هو نَفْسُه ورجل عالمٌ وعَلِيمٌ: من قومٍ عُلماء فيهما جميعًا. قال سيبويه: يقول عُلَماء من لا يقول إلاّ عالِمًا. قال ابن جني: لمَّا كان العِلْم قد يكون الوصف به بعدَ المُزاوَلة له وطُولِ المُلابسةِ؛ صار كأنه غريزةٌ ولم يكن على أول دخوله فيه، ولو كان كذلك لكان مُتعلِّمًا لا عالِمًا، فلما خرج بالغريزة إلى باب "فَعُل" صار عالمٌ في المعنى، كعَليمٍ، فكُسِّرَ تَكْسيرَه، ثم حملُوا عليه ضدَّه فقالوا: جُهَلاء، كعُلَماء، وصار عُلَماء كَحُلَماء؛ لأن العِلمَ محْلَمةٌ لصاحبه، وعلى ذلك جاء عنهم فاحشٌ وفُحشاء؛ لَمَّا كان الفُحْشُ من ضروب الجهل ونقيضًا للحِلْم. قال ابن :بري وجمعُ عالمٍ عُلماءُ. ويقال: عُلاّم أيضًا، قال يزيد بن الحَكَم:
ومُسْتَرِقُ القَصائدِ والمُضاهِي سَواءٌ عند عُلاّم الرِّجالِ
وعَلاّمٌ وعَلاّمةٌ: إذا بالغت في وصفه بالعِلْم، :أي عالم جِدا، والهاء للمبالغة، كأنهم يريدون داهيةً من قوم عَلاّمِين وعُلاّم من قوم عُلاّمين، هذه عن اللحياني. وعَلِمْتُ الشيءَ أَعْلَمُه عِلْمًا: عَرَفْتُه. قال ابن بري: وتقول: عَلِمَ وفَقِهَ أَي: تَعَلَّم وتَفَقَّه، وعَلُم وفَقُه أي: سادَ العلماءَ والفُقَهاءَ، والعَلاّمُ والعَلاّمةُ: النَّسَّابةُ، وهو من العِلْم. قال ابن جني: رجل عَلاّمةٌ وامرأة عَلاّمة، لم تلحق الهاء لتأْنيث الموصوفِ بما هي فيه، وإنما لَحِقَتْ؛ لإعْلام السامع أن هذا الموصوفَ بما هي فيه قد بلَغ الغايةَ والنهايةَ، فجعل تأْنيث الصفة أَمارةً لما أُريدَ من تأْنيث الغاية والمُبالغَةِ، وسواءٌ كان الموصوفُ بتلك الصفةُ مُذَكَّرًا أو مؤنثًا؛ يدل على ذلك أن الهاء لو كانت في نحو: امرأة عَلاّمة وفَرُوقة... ونحوه، إنما لَحِقت؛ لأن المرأة مؤنثة لَوَجَبَ أن تُحْذَفَ في المُذكَّر فيقال: رجل فَروقٌ، كما أن الهاء في قائمة وظَريفة لَمَّا لَحِقَتْ لتأْنيث الموصوف حُذِفت، مع تذكيره في نحو: رجل قائم وظريف وكريم، وهذا واضح. وقوله تعالى: {إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلومِ}: الذي لا يَعْلَمُه إلا الله، وهو يوم القيامة، وعَلَّمه العِلْم وأَعْلَمه إياه فتعلَّمه. وفرق سيبويه بينهما، فقال: عَلِمْتُ كأَذِنْت، وأَعْلَمْت كآذَنْت، وعَلَّمْته الشيءَ فتَعلَّم، وليس التشديدُ هنا للتكثير، وفي حديث ابن مسعود: "إنك غُلَيِّمٌ مُعَلَّم" أي: مُلْهَمٌ للصوابِ والخيرِ كقوله تعالى مُعلَّم مَجنون أي له مَنْ يُعَلِّمُه.



المستدرك على الصحيحين، للحاكم.

معنى كلمة "علوم القرآن"
باب معنى كلمة علوم القرآن في لغة واصطلاحًا:
أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو ثنا الفضل بن عبد الجبار ثنا النضر بن شميل، أنبأ عوف بن أبي جميلة عن سليمان بن جابر الهجري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تعلموا القرآن وعلِّموه الناس، وتعلموا الفرائض، وعلموه الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، وأن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها)) هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وله علة عن أبي بكر بن إسحاق عن بشر بن موسى عن هوذة بن خليفة عن عوف.

مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني.


معنى القرآن لغة واصطلاحا
أما لفظ القرآن: فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسمًا للكلام المعجز المنزل على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من باب إطلاق المصدر على مفعوله؛ ذلك ما نختاره استنادًا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق، وإليه ذهب اللحياني وجماعة.
أما القول بأنه: وصف من القرء، بمعنى: الجمع، أو أنه مشتق من القرائن، أو أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء، أو أنه مرتجل، أيك موضوع من أول الأمر علمًا على الكلام المعجز المنزل غير مهموز، ولا مجرد من أل، فكل أولئك لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة، ولا من بعد عن قواعد الاشتقاق وموارد اللغة.
وعلى الرأي المختار: فلفظ قرآن مهموز، وإذا حذف همزه فإنما ذلك للتخفيف، وإذا دخلته أل بعد التسمية، فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف.
ويقال: للقرآن فرقان أيضًا ، وأصله مصدر كذلك، ثم سمي به النظم الكريم تسمية للمفعول، أو الفاعل بالمصدر باعتبار أنه كلام فارق بين الحق والباطل، أو مفروق بعضه عن بعض في النزول، أو في السور والآيات. قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} ثم إن هذين الاسمين هما أشهر أسماء النظم الكريم، بل جعلهما بعض المفسرين مرجع جميع أسمائه، كما ترجع صفات الله على كثرتها إلى معنى الجلال والجمال، ويلي هذين الاسمين في الشهرة هذه الأسماء الثلاثة الكتاب والذكر والتنزيل، وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدتها خمسة وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفًا وتسعين، كما ذكره صاحب "التبيان" واعتمد هذا وذاك على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، وفاتهما أن يفرِّقَا بين ما جاء من تلك الألفاظ على أنه اسم، وما ورد على أنه وصف، ويتضح ذلك لك على سبيل التمثيل في عدهما من الأسماء لفظ قرآن، ولفظ كريم، أخذًا من قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} كما عدا من الأسماء لفظ ذكر، ولفظ مبارك اعتمادًا على قوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} على حين أن لفظ قرآن، وذكر في الآيتين مقبول كونهما اسمين، أما لفظ كريم ومبارك فلا شك أنهما وصفان كما ترى.
والخطب في ذلك سهل يسير بيد أنه مسهب طويل حتى لقد أفرده بعضهم: بالتأليف، وفيما ذكرناه كفاية، وعلى الله قصد السبيل.
القرآن في الاصطلاح :
معلوم: أن القرآن كلام الله، وأن كلام الله غير كلام البشر، ما في ذلك ريب، ومعلوم أيضًا: أن الإنسان له كلام قد يراد به المعنى المصدري، أي: التكلم، وقد يراد به المعنى الحاصل بالمصدر، أي: المتكلم به، وكل من هذين المعنيين لفظي ونفسي، فالكلام البشري اللفظي بالمعنى المصدري، هو: تحريك الإنسان للسانه، وما يساعده في إخراج الحروف من المخارج، والكلام اللفظي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات المنطوقة التي هي كيفية في الصوت الحسي، وكلا هذين ظاهر لا يحتاج إلى توضيح.
أما الكلام النفسي بالمعنى المصدري: فهو تحضير الإنسان في نفسه بقوته المتكلمة الباطنة للكلمات التي لم تبرز إلى الجوارح، فيتكلم بكلمات متخيلة يرتبها في الذهن، بحيث إذا تلفظ بها بصوت حسي كانت طبق كلماته اللفظية. والكلام النفسي بالمعنى الحاصل بالمصدر: هو تلك الكلمات النفسية والألفاظ الذهنية المترتبة ترتبًا ذهنيًّا منطبقًا عليه الترتب الخارجي.
ومن الكلام البشري النفسي بنوعيه قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ} ومنه: الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن أم سلمة، أنها سمعت رسول الله، وقد سأله رجل فقال: إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري؛ فقال -عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: ((لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن)) فأنت ترى أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سمى ذلك الشيء الذي تحدثت به النفس كلامًا مع أنه كلمات ذهنية لم ينطق بها الرجل مخافة أن يحبط بها أجره، وهذا الإطلاق من الرسول يحمل على الحقيقة؛ لأنها الأصل، ولا صارف عنها.
كذلكم القرآن كلام الله -ولله المثل الأعلى- قد يطلق ويراد به: الكلام النفسي، وقد يطلق ويراد به الكلام اللفظي، والذين يطلقونه إطلاق الكلام النفسي هم المتكلمون فحسب؛ لأنهم المتحدثون عن صفات الله تعالى النفسية من ناحية، والمقررون لحقيقة أن القرآن كلام الله غير مخلوق من ناحية أخرى. أما الذين يطلقونه إطلاق الكلام اللفظي، فالأصوليون والفقهاء، وعلماء العربية وإن شاركهم فيه المتكلمون أيضًا بإطلاق ثالث عندهم، كما يتبين لك بعد، وإنما عني الأصوليون والفقهاء بإطلاق القرآن على الكلام اللفظي؛ لأن غرضهم الاستدلال على الأحكام، وهو لا يكون إلا بالألفاظ وكذلك علماء العربية يعنيهم أمر الإعجاز؛ فلا جرم كانت وجهتهم الألفاظ.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18869

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق