الإيثار في القرآن، وأقوال العلماء في الإيثار
الدرس5 :
المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الخامس من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة (التفسير الموضوعي (2))، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (التغاصي عن الجار، وإكرام الضيف)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (الإيثار في القرآن، وأقوال العلماء في الإيثار)،
الثمرات التعليمية
ثانيًا: تتبين أقوال الأئمة في باب الإيثار.
عناصر الدرس
5.1 الإيثار في القرآن والسنة.
5.2 أقوال الأئمة في باب الإيثار.
ملخص الدرس
* الإيثار في اللغة: قال ابن فارس صاحب معجم (مقاييس اللغة): الهمزة والثاء والراء, له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء، قال الخليل: والأثر الذي يُؤثِّر خُفّ البعير، والأثير من الدواب: العظيم الأثر في الأرض بخُفّه أو حافره، والأثير الكريم عليك: الذي تُؤثره بفضلك وصلتك.
أما الإيثار في القرآن, فسوف نجده في موضع واحد في سورة الحشر هو قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9], وهذه الآية نزلت في أبي طلحة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- وما كان من أمره، وأنه آثر ضيفه على نفسه، وكان في أشدّ الحاجة هو وأهل بيته للطعام، لكنهم فضَّلوا إطعام الضيف على أنفسهم، فذكر ذلك الله في كتابه.
وهو مذكور في السنة؛ مثلما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((أن رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَضُمُّ أو يضيف هذا؟" فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيِّئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً. فهيَّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ})).
* أقوال الأئمة في باب الإيثار:
- ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وقول الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8], وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فيما كان من أمر أبي طلحة وأهل بيته وضيفهم، وأن الله -سبحانه وتعالى- عجب من صنيعهما بضيفهما، وأنزل على رسوله هذه الشهادة التي تُتلى على مرّ الأيام والدهور، وهي قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
يذكر لنا أيضا الإمام الغزالي -عليه رحمة الله- حقوق الأخوة والصحبة, فيقول: اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقًا يجب الوفاء قيامًا بحق النكاح، فكذا عقد الأخوة, فلأخيك عليك حق في المال والنفس, وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء وبالإخلاص, والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف، وذلك يجمعه ثمانية حقوق، فيذكر الإمام الغزالي هذه الحقوق.
وعن الحق الأول والثاني, وهما الحق في المال والحق في النفس، يقول -عليه رحمة الله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((مثل الأخوين مثل اليدين, تُغسّل إحداهما الأخرى)) ويقول: إنما شبههما باليدين لا باليد والرجل؛ لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان, وإنما تتم أُخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد، فهو من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السّرّاء والضراء والمشاركة في المآل والحال, وارتفاع الاختصاص والاستئثار.
ثم يقول: والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب؛ أدناها أن تُنزله منزلة عبدك أو خادمك, فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت لك حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.
الثانية: أن تنزله منزلة نفسك, وترضى بمشاركته إياك في مالك، ونُزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال. قال الحسن: كان أحدهم يشقّ إزاره بينه وبين أخيه.
الثالثة وهي العليا: أن تؤثره على نفسك, وتُقدم حاجته على حاجتك، وهذه رتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابّين.
أما الحق الثاني في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات, والقيام بها قبل السؤال، وتقديمها على الحاجات الخاصة، وهذه أيضًا لها درجات كما للمساواة بالمال، فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة.
- ذكر الإمام الغزالي شيئا في سخاوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوده.
- تقسم حقوق الأخوة إلى أربعة أقسام: أخوة الإنسان مع أخيه الإنسان، وهي التي تُعرف بالأخوة الإنسانية، وهناك أخوة النسب من نُنسب إليه وينسب إلينا من الآباء والأمهات والأحباب والأرحام وما إلى ذلك، وأخوة الإيمان من نرتبط معهم برابطة الدين، وهناك الأخوة في الله.
وقد سما الإسلام بهذه الألوان وبيَّن ما فيها من حقوق، وما فيها من معالم الإيثار، ولكننا نقف عند هذا النوع من الأخوة، وهو الأخوة في الإيمان والأخوة في الله لنقتطف بعض ما في حقوق هذه وتلك من معالم الإيثار في دين الله، وفي كتاب الله -عز وجل.
لقد وصل الإسلام في هذا التآخي إلى صور فاقت أحلام الفلاسفة وأصحاب المدن الفاضلة، وضرب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في صدق هذه الأخوة، حتى لقد وجدنا في مجتمع المدينة لونًا من هذا الإخاء كان أعظم من إخاء النسب والرحم، به كان الأنصار والمهاجرون يتوارثون، ويتكافلون، ويتعاونون، واستحق الأنصار شهادة الفخار التي ما زالت تتردّد إلى يومنا هذا في سمع الزمان, والتي ذكرناها في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9] الآية.
انظر في هذا الإيثار إلى ما كان من أمر الأنصار مع المهاجرين، وأنت تقرأ ما رواه الإمام البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: ((دعا النبي -صلي الله عليه وسلم- الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال -صلوات الله وسلامه عليه: ألا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض؛ فإنه سيصيبكم أثرة بعدي)) إذ لم يكن عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يكفي المهاجرين والأنصار، فدعاهم إلى الصبر حتى يلقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض, وهناك في الآخرة يكون لهم الحظ الأوفر والنصيب الأعظم.
فهذه إذًا هي معالم الإيثار في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والدوافع التي تدفع الإنسان ليكون من هؤلاء الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, والأمر يحتاج إلى تربية إيمانية لأمتنا حتى تستقيم على طريق هذا الإيثار؛ لأن بهذا الإيثار السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس، إلى ختام الدرس الخامس، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس السادس، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (الصدق في القرآن والسنة، ونظام الأسرة في القرآن الكريم).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الخامس من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة (التفسير الموضوعي (2))، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (التغاصي عن الجار، وإكرام الضيف)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (الإيثار في القرآن، وأقوال العلماء في الإيثار)،
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية
عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
أولًا: تتعرف على الإيثار في القرآن والسنة.ثانيًا: تتبين أقوال الأئمة في باب الإيثار.
عناصر الدرس
5.1 الإيثار في القرآن والسنة.
5.2 أقوال الأئمة في باب الإيثار.
ملخص الدرس
* الإيثار في اللغة: قال ابن فارس صاحب معجم (مقاييس اللغة): الهمزة والثاء والراء, له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء، قال الخليل: والأثر الذي يُؤثِّر خُفّ البعير، والأثير من الدواب: العظيم الأثر في الأرض بخُفّه أو حافره، والأثير الكريم عليك: الذي تُؤثره بفضلك وصلتك.
أما الإيثار في القرآن, فسوف نجده في موضع واحد في سورة الحشر هو قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9], وهذه الآية نزلت في أبي طلحة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- وما كان من أمره، وأنه آثر ضيفه على نفسه، وكان في أشدّ الحاجة هو وأهل بيته للطعام، لكنهم فضَّلوا إطعام الضيف على أنفسهم، فذكر ذلك الله في كتابه.
وهو مذكور في السنة؛ مثلما روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ((أن رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَضُمُّ أو يضيف هذا؟" فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم, فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيِّئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً. فهيَّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ})).
* أقوال الأئمة في باب الإيثار:
- ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وقول الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8], وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فيما كان من أمر أبي طلحة وأهل بيته وضيفهم، وأن الله -سبحانه وتعالى- عجب من صنيعهما بضيفهما، وأنزل على رسوله هذه الشهادة التي تُتلى على مرّ الأيام والدهور، وهي قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
يذكر لنا أيضا الإمام الغزالي -عليه رحمة الله- حقوق الأخوة والصحبة, فيقول: اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقًا يجب الوفاء قيامًا بحق النكاح، فكذا عقد الأخوة, فلأخيك عليك حق في المال والنفس, وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء وبالإخلاص, والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف، وذلك يجمعه ثمانية حقوق، فيذكر الإمام الغزالي هذه الحقوق.
وعن الحق الأول والثاني, وهما الحق في المال والحق في النفس، يقول -عليه رحمة الله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((مثل الأخوين مثل اليدين, تُغسّل إحداهما الأخرى)) ويقول: إنما شبههما باليدين لا باليد والرجل؛ لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان, وإنما تتم أُخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد، فهو من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السّرّاء والضراء والمشاركة في المآل والحال, وارتفاع الاختصاص والاستئثار.
ثم يقول: والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب؛ أدناها أن تُنزله منزلة عبدك أو خادمك, فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت لك حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.
الثانية: أن تنزله منزلة نفسك, وترضى بمشاركته إياك في مالك، ونُزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال. قال الحسن: كان أحدهم يشقّ إزاره بينه وبين أخيه.
الثالثة وهي العليا: أن تؤثره على نفسك, وتُقدم حاجته على حاجتك، وهذه رتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابّين.
أما الحق الثاني في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات, والقيام بها قبل السؤال، وتقديمها على الحاجات الخاصة، وهذه أيضًا لها درجات كما للمساواة بالمال، فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة.
- ذكر الإمام الغزالي شيئا في سخاوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوده.
- تقسم حقوق الأخوة إلى أربعة أقسام: أخوة الإنسان مع أخيه الإنسان، وهي التي تُعرف بالأخوة الإنسانية، وهناك أخوة النسب من نُنسب إليه وينسب إلينا من الآباء والأمهات والأحباب والأرحام وما إلى ذلك، وأخوة الإيمان من نرتبط معهم برابطة الدين، وهناك الأخوة في الله.
وقد سما الإسلام بهذه الألوان وبيَّن ما فيها من حقوق، وما فيها من معالم الإيثار، ولكننا نقف عند هذا النوع من الأخوة، وهو الأخوة في الإيمان والأخوة في الله لنقتطف بعض ما في حقوق هذه وتلك من معالم الإيثار في دين الله، وفي كتاب الله -عز وجل.
لقد وصل الإسلام في هذا التآخي إلى صور فاقت أحلام الفلاسفة وأصحاب المدن الفاضلة، وضرب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في صدق هذه الأخوة، حتى لقد وجدنا في مجتمع المدينة لونًا من هذا الإخاء كان أعظم من إخاء النسب والرحم، به كان الأنصار والمهاجرون يتوارثون، ويتكافلون، ويتعاونون، واستحق الأنصار شهادة الفخار التي ما زالت تتردّد إلى يومنا هذا في سمع الزمان, والتي ذكرناها في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9] الآية.
انظر في هذا الإيثار إلى ما كان من أمر الأنصار مع المهاجرين، وأنت تقرأ ما رواه الإمام البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: ((دعا النبي -صلي الله عليه وسلم- الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال -صلوات الله وسلامه عليه: ألا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض؛ فإنه سيصيبكم أثرة بعدي)) إذ لم يكن عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يكفي المهاجرين والأنصار، فدعاهم إلى الصبر حتى يلقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض, وهناك في الآخرة يكون لهم الحظ الأوفر والنصيب الأعظم.
فهذه إذًا هي معالم الإيثار في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والدوافع التي تدفع الإنسان ليكون من هؤلاء الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, والأمر يحتاج إلى تربية إيمانية لأمتنا حتى تستقيم على طريق هذا الإيثار؛ لأن بهذا الإيثار السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس، إلى ختام الدرس الخامس، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس السادس، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (الصدق في القرآن والسنة، ونظام الأسرة في القرآن الكريم).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18987
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق