الثلاثاء، 25 يونيو 2013

الإحسان إلى الوالدين

الدرس3:


المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحباً بك في الدرس الثالث من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (العفو الصفح في الكتاب والسنة)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (الإحسان إلى الوالدين)

الثمرات التعليمية
عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
أولًا: تتبين معاني الإحسان في اللغة والآيات الواردة في ذلك في القرآن الكريم.
ثانيًا: تدرك الإحسان في السنة.


عناصر الدرس
3.1 معاني الإحسان في اللغة والآيات الواردة في ذلك في القرآن الكريم.
3.2 الإحسان في السنة.


ملخص الدرس
- الإحسان إلى الوالدين، وبر الوالدين من الموضوعات المهمة، وقد وردت هذه الوصية في القرآن في عدة مواضع:
- أولها في سورة البقرة في قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} (البقرة: 83)).
- وفي سورة النساء يقول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} (النساء: 36).
- وفي وصايا سورة الأنعام يقول تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 151).
- وفي سورة الإسراء يقول ربنا: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 24).
- وقد تأتي الوصية من الله مباشرة بالوالدين والإحسان إليهما كما نرى ذلك في سورة العنكبوت حيث يقول ربنا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت: 8).
- وكما جاء في الأحقاف في قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} (الأحقاف: 16).
- ولكن وردت وصية من الله عز وجل بالوالدين دون ذكر كلمة الإحسان وذلك في سورة لقمان في قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان: 15).
- أما كلمة البر والتي نتحدث فيها عن بر الوالدين، فلم ترد في كتاب الله إلا في سورة مريم في قول يحيى كما قال ربنا: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّ} (مريم: 14)، وعيسى -عليه السلام- يقول: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (مريم: 32).
- إن كلمة الإحسان قد جاءت في السنة المشرفة في قول الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- تبين المرحلة العليا في تجويد الإسلام والإيمان، فلما سئل الرسول -عليه الصلاة والسلام- وذكر الإسلام وذكر الإيمان وسئل عن الإحسان قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فسوف نعرف كثيرًا من هذه المعاني حين نستعرض ما جاء في السنة المشرفة، وفيها الكثير من المعاني، فروى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك))، وأيضا ما رواه الإمام البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد ألا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد أي من المشقة والتعب، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي} وفيها: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (لقمان: 15).
- إذا الطاعة والبر والإحسان إنَّما يكون في طاعة الله لا معصية الله، وأعظم المعاصي وأكبرها وأشدها جُرمًا هو الكفر بالله والإشراك بالله فهذا لا طاعة فيه لأحد، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((أقبل رجل إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبياعك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما))، وفي هذا بيان لعظم صحبة الأبوين بالإحسان كليهما.
وعند الترمذي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: ((سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم سكت عني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو استزدته لزادني)).
في هذا الحديث ترى أن بر الوالدين يأتي قبل الجهاد في سبيل الله، ويروي أيضًا الإمام الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال: وجلس وكان متكئا، فقال: وشهادة الزور أو قول الزور، فما زال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولها حتى قلنا: ليته سكت)).
ففي هذا الحديث بيان لجريمة عقوق الوالدين، وأن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ويأتي بعد الإشراك بالله، بل إن جريمة قطيعة الرحم -وفي مقدمة ذلك ما يفعله بعض الأبناء بالآباء حين يقاطعون آباءهم وينسون مودتهم وينشغلون عنهم بأبنائهم وأزواجهم- وفي هذا يروي الإمام الترمذي بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قاطع)) قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم.
بل إنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد من الأبناء أن يواصلوا بر آبائهم حتى بعد وفاتهم، وفي هذا يروي الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار، وكان مع ابن عمر فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وادًّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه)).
- ومن فضائل بر الوالدين: ما في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه- فليبر والديه وليصل رحمه))، وعن معاذ بن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من بر والديه طوبى له -أي الجنة له- زاد الله في عمره)).
- بل إنَّ الإسلام ليجعل القيام بالإحسان إلى الوالدين حق واجب على الأبناء حتى لو كان هؤلاء الآباء على الكفر والشرك، فهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: قدِمت علي أمي وهي راغبة -أي أتت راغبة في زيارتي- أفأصل أمي؟ قال: ((نعم صِلي أمك)).
وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد))، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: ((أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها))، رواه الترمذي واللفظ له.


خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الثالث، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الرابع، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (التغاضي عن الجار وإكرام الضيف).

هذا، والله وليُّ التَّوفيق.

وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق


الملفات المرفقة

http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18985

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق