قصة أصحاب الجنة، والأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين
الدرس12:
المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الثاني عشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (قصة موسى والخضر، ويوسف مع امرأة العزيز)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (قصة أصحاب الجنة، والأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين)،
الثمرات التعليمية
ثانيا: تعرف الأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين.
عناصر الدرس
12.1 قصة أصحاب الجنة.
12.2 الأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين.
ملخص الدرس
- قصة أصحاب الجنة:
إن الهدف أو المحور الذي تقوم عليه سورة القلم هو إيناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتسليته، وتطمين قلبه وتثبيت فؤاده، ببيان منزلته، والرد على أعدائه، وأن العاقبة له، وأن الخسران والبوار والهلاك للمكذبين برسالته.
بدأت السورة بقوله: (ن) وهي حرف من الحروف المقطعة، ثم يقسم الله بالقلم وما يسطرون، على أنّ اتهام المشركين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنون اتهام باطل؛ ولهذا جاء التهديد للمكذبين المعاندين {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} (القلم:5، 6) أي بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام وانقلابهم أذلة صاغرين، ويأتي التوجيه القرآني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون تبع له: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم:8، 9) أي: لا تطعهم فيما يدعونك إليه من التنازل عن دعوتك، وفي مهادنتهم وتركهم في عبادتهم الباطلة، وهم مستعدون لذلك {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم: 9).
والآية حَدّ فاصل بين الكفر والإيمان، وأنه لا التقاء بينهما، وما كان لأصحاب الدعوة أن يغمضوا أعينهم عن الباطل وأهله إيثارًا للسلامة، يقول ربنا: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (القلم:10: 13) وما أسوأها من صفات يتّصف بها أهل الكفر والضلال، ثم يقول تعالى مهددًا ومتوعدًا {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (القلم:14، 15) {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} (القلم: 16) أي: سنجعل له علامة في وجهه يعرف بها في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا يضرب بالسيف فيترك السيف علامة في أنفه يُعَرف بها، وفي الآخرة {تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ}، ثم يسوق الله قصة أصحاب الجنة فيقول: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ، إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (القلم: 17، 18) إلى أن يقول: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (القلم: 33).
وتبدأ القصة مرتبطة بما ورد في صدر السورة من بيانٍ لحال المشركين في عتوهم ورفضهم لدعوة الحق، مع نصاعتها وقوتها في ذاتها، ومن حملها إليهم، هذا النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، الملقب فيما بينهم بالصادق الأمين، وإذا كان هذا الابتلاء بالنعمة من الله، وكان التعبير عن ذاته -جل وعلا- بقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} (القلم: 17) علمنا أن هذا ابتلاء شديد؛ لأن الله بعظمته، ومَثَلهم كمثل أصحاب الجنة، ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم ببستان فيه ما فيه من ألوان الفاكهة، والتعبير بالصحبة في قوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (القلم: 17) فيأتيك بيانه في قوله: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (القلم:17، 18).
- الأمثال في القرآن الكريم، وتأثيرها على السامعين:
إذا نظرنا فيما وَرَد في القرآن من أمثال، وفي الحكمة من إيرادها، سوف نرى أن الله يسوقها تذكرة وعبرة وعظة لمن كان له عقل يفكِّر، وقلب خافق يشعر وينفعل، واقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الزمر: 27) ويقول ربنا: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت: 43) فأوضح أنه يضرب الأمثال يستمع إليها الناس جميعًا، لكن لا يستفيدوا منها ولا يعقلوها، ويدركوا مراميها، إلّا من آتاه الله العلم النافع والبصيرة المهتدية بنور الحق، فالطريق للاستفادة مما ضرب الله من الأمثال، لا يحتاج إلّا إلى العلم والتفكر و التذكر، ولو صدقت نية العبد في البحث عن سعادته في الدنيا والآخرة؛ لبذل الجهد فالتزم بما في كتاب ربه، واهتدى بهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم.
- وهذه أمثلة لما نقول من القرآن الكريم:
يقول الله تعالى في المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 17-20).
فقد ضرب الله مثلين لصنفين من المنافقين:
الصنف الأول: لقوم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا.
والصنف الثاني: قوم مترددون، يظهر لهم الحق تارة فيطمئنون إليه، وتهجم عليهم الشكوك فينقلبون خاسرين، ولو أن الله ساق الحديث عن المنافقين هكذا.
وهذا مثل آخر لِمَا عليه الكفار من عمى وجهل، يقول ربنا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) والمثل ينقلك إلى صورة واقعية في مجتمع تقوم فيه الحياة على الرعي، فترى أن القطيع من الأنعام إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، وقد روي عن ابن عباس أن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (لقمان: 21) الآية. "نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (البقرة: 170) .
وهذا مثال آخر لعدم فهم اليهود، يقول فيه ربنا: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5) فقد شبههم بالحمار الذي يحمل الكتب من مكان إلى مكان، فهل يدرك الحمار شيئًا مما في هذه الكتب التي على ظهره، وهذا هو حال اليهود، كلفهم الله بالعمل بما في التوراة، وكم في التوراة من هدى ومن نور.
- ولون آخر من أمثال القرآن، وما يجب أن يكون عليه العقلاء من الناس في عدم الركون إليها، والاغترار بزخارفها، يقول تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24).
ففي هذا المثل يشبِّه الله الدنيا وزينتها بالأرض التي هطَلَت عليها أمطار السماء، فأنبتت زرعها وأشجارها وورودها ورياحينها وعشبها، فاكتست الأرض خضرة وبهجة، وظنّ أصحابها أنهم يستطيعون أن يحصدوا زرعها، وما علموا أنّ الإله القويّ القادر، الذي جعلها زروعًا مبهجة، قادر على أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، وقد فعل ذلك -جل وعلا، فأتاها أمر الله ليلًا أو نهارًا، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس، وإنما فعل ذلك بها بذنوب أهلها، وفي ذلك آيات واضحات بينات لقوم يتفكرون.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الثاني عشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثالث عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، وأوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الثاني عشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (قصة موسى والخضر، ويوسف مع امرأة العزيز)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (قصة أصحاب الجنة، والأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين)،
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية
عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
أولًا: تتعرف على قصة أصحاب الجنة.ثانيا: تعرف الأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين.
عناصر الدرس
12.1 قصة أصحاب الجنة.
12.2 الأمثال في القرآن وتأثيرها على المستمعين.
ملخص الدرس
- قصة أصحاب الجنة:
إن الهدف أو المحور الذي تقوم عليه سورة القلم هو إيناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتسليته، وتطمين قلبه وتثبيت فؤاده، ببيان منزلته، والرد على أعدائه، وأن العاقبة له، وأن الخسران والبوار والهلاك للمكذبين برسالته.
بدأت السورة بقوله: (ن) وهي حرف من الحروف المقطعة، ثم يقسم الله بالقلم وما يسطرون، على أنّ اتهام المشركين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنون اتهام باطل؛ ولهذا جاء التهديد للمكذبين المعاندين {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} (القلم:5، 6) أي بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام وانقلابهم أذلة صاغرين، ويأتي التوجيه القرآني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون تبع له: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم:8، 9) أي: لا تطعهم فيما يدعونك إليه من التنازل عن دعوتك، وفي مهادنتهم وتركهم في عبادتهم الباطلة، وهم مستعدون لذلك {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم: 9).
والآية حَدّ فاصل بين الكفر والإيمان، وأنه لا التقاء بينهما، وما كان لأصحاب الدعوة أن يغمضوا أعينهم عن الباطل وأهله إيثارًا للسلامة، يقول ربنا: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (القلم:10: 13) وما أسوأها من صفات يتّصف بها أهل الكفر والضلال، ثم يقول تعالى مهددًا ومتوعدًا {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (القلم:14، 15) {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} (القلم: 16) أي: سنجعل له علامة في وجهه يعرف بها في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا يضرب بالسيف فيترك السيف علامة في أنفه يُعَرف بها، وفي الآخرة {تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ}، ثم يسوق الله قصة أصحاب الجنة فيقول: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ، إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (القلم: 17، 18) إلى أن يقول: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (القلم: 33).
وتبدأ القصة مرتبطة بما ورد في صدر السورة من بيانٍ لحال المشركين في عتوهم ورفضهم لدعوة الحق، مع نصاعتها وقوتها في ذاتها، ومن حملها إليهم، هذا النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، الملقب فيما بينهم بالصادق الأمين، وإذا كان هذا الابتلاء بالنعمة من الله، وكان التعبير عن ذاته -جل وعلا- بقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} (القلم: 17) علمنا أن هذا ابتلاء شديد؛ لأن الله بعظمته، ومَثَلهم كمثل أصحاب الجنة، ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم ببستان فيه ما فيه من ألوان الفاكهة، والتعبير بالصحبة في قوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (القلم: 17) فيأتيك بيانه في قوله: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (القلم:17، 18).
- الأمثال في القرآن الكريم، وتأثيرها على السامعين:
إذا نظرنا فيما وَرَد في القرآن من أمثال، وفي الحكمة من إيرادها، سوف نرى أن الله يسوقها تذكرة وعبرة وعظة لمن كان له عقل يفكِّر، وقلب خافق يشعر وينفعل، واقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الزمر: 27) ويقول ربنا: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت: 43) فأوضح أنه يضرب الأمثال يستمع إليها الناس جميعًا، لكن لا يستفيدوا منها ولا يعقلوها، ويدركوا مراميها، إلّا من آتاه الله العلم النافع والبصيرة المهتدية بنور الحق، فالطريق للاستفادة مما ضرب الله من الأمثال، لا يحتاج إلّا إلى العلم والتفكر و التذكر، ولو صدقت نية العبد في البحث عن سعادته في الدنيا والآخرة؛ لبذل الجهد فالتزم بما في كتاب ربه، واهتدى بهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم.
- وهذه أمثلة لما نقول من القرآن الكريم:
يقول الله تعالى في المنافقين: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 17-20).
فقد ضرب الله مثلين لصنفين من المنافقين:
الصنف الأول: لقوم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا.
والصنف الثاني: قوم مترددون، يظهر لهم الحق تارة فيطمئنون إليه، وتهجم عليهم الشكوك فينقلبون خاسرين، ولو أن الله ساق الحديث عن المنافقين هكذا.
وهذا مثل آخر لِمَا عليه الكفار من عمى وجهل، يقول ربنا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) والمثل ينقلك إلى صورة واقعية في مجتمع تقوم فيه الحياة على الرعي، فترى أن القطيع من الأنعام إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، وقد روي عن ابن عباس أن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (لقمان: 21) الآية. "نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (البقرة: 170) .
وهذا مثال آخر لعدم فهم اليهود، يقول فيه ربنا: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة: 5) فقد شبههم بالحمار الذي يحمل الكتب من مكان إلى مكان، فهل يدرك الحمار شيئًا مما في هذه الكتب التي على ظهره، وهذا هو حال اليهود، كلفهم الله بالعمل بما في التوراة، وكم في التوراة من هدى ومن نور.
- ولون آخر من أمثال القرآن، وما يجب أن يكون عليه العقلاء من الناس في عدم الركون إليها، والاغترار بزخارفها، يقول تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24).
ففي هذا المثل يشبِّه الله الدنيا وزينتها بالأرض التي هطَلَت عليها أمطار السماء، فأنبتت زرعها وأشجارها وورودها ورياحينها وعشبها، فاكتست الأرض خضرة وبهجة، وظنّ أصحابها أنهم يستطيعون أن يحصدوا زرعها، وما علموا أنّ الإله القويّ القادر، الذي جعلها زروعًا مبهجة، قادر على أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، وقد فعل ذلك -جل وعلا، فأتاها أمر الله ليلًا أو نهارًا، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس، وإنما فعل ذلك بها بذنوب أهلها، وفي ذلك آيات واضحات بينات لقوم يتفكرون.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الثاني عشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثالث عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، وأوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
-
0012.doc
- http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18994
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق