قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين
الدرس10:
المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (المقصود بالقصة ومعنى أنها في القرآن الكريم، والدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص، والفرق بين تناول القصة في التفسير الموضوعي، وفي الفن القصصي)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين)،
الثمرات التعليمية
ثانيًا: تتعرف على قصة صاحب الجنتين.
عناصر الدرس
10.1 قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر.
10.2 قصة صاحب الجنتين.
ملخص الدرس
- قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر:
قصة أصحاب الكهف جاءت معجزة ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جملة ما أخبر به، مما لا سبيل لمعرفته إلا عن طريق الوحي، إذ ورد في سبب النزول أنَّ قريشًا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة؛ ليسألوهم عن محمد وصفته، فإنَّ اليهود في نظر قريش أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عند قريش، فماذا كان من أمر أحبار اليهود حين سئلوا عن ذلك؟ قالوا: "سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي وإلا فهو مُتَقَوِّل" أي: يقول كلامًا كذبًا.
فلما جاءا وأخبرا قريشًا بما قال لهما أحبار اليهود، سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: ((أخبركم بذلك غدًا)) ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي خمسة عشر يومًا لا ينزل عليه بذلك، مما أثار الأقاويل كيف كان يقول: سأخبركم غدًا، وها هو ذا لم يأته خبر بذلك طوال هذه الأيام، ونزل القرآن بعد هذا الغياب يقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} (الكهف: 23، 24).
وتبدأ القصة بعد هذه المقدمة، بكلمات تنبئ عن الحقيقة سافرة مضيئة، كالشمس في رابعة النهار، فيقول عز من قائل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} (الكهف: 13) فدل قوله: نحن، وقوله: نقص، بنون المعظم لنفسه، على أن الذي يذكر ذلك هو الله العظيم، المتصف بكل صفات الجلال والكمال، فما يخبر به منبثق من باب العليم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وفي توجيه الخطاب من الله لرسوله في قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} (يوسف: 3) إيناس له وعناية به وتطمين لقلبه.
أما قوله: نبأهم، فهو دليل على أن هذا ليس مجرد خبر يقال، إنما هو نبأ عظيم وقصة فيها الكثير من الدروس النافعة، فقوله: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف: 10) وقد تبين لنا من هذا الوصف أنهم شباب في سن الفتوة والقوة، وهذا يرشدنا إلى أن الشباب أقرب إلى التغيير والتحول، بخلاف الطاعنين في السن الذين ألفوا ما هم عليه، ويصعب تغييرهم إلى الأحسن ،وقد وصف الله هؤلاء الفتية بأنهم آمنوا بربهم، وأن الله بفضله زادهم هدى.
وفي قولهم: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الكهف: 14) إحساس عظيم بربوبية الله لهم وعظيم عطائه إليهم، وهيمنته وتصريفه وحده لأمورهم، وهذا الذي كانت عليه أمم الأرض في الفصل بين الربوبية والألوهية، مخالف للعقل والواقع، ومن يفعله فقد اشتط في الحكم؛ ولهذا قال هؤلاء الفتية: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} (الكهف: 14) ثم قالوا للملك: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} (الكهف: 15) فبينوا للملك وحاشيته بأن قومهم قد أشركوا بالله آلهة لا تستحق العبادة، وأن هذا الذي فعلوه لا يستطيعون أن يأتوا بدليل واحد على صحته، وبالتالي فهم قد ظلموا أنفسهم، وظلموا خالقهم حين عبدوا معه آلهة أخرى لا دليل عليها، ولهذا قالوا: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الأنعام: 144) وكم في هذا التعبير القرآني في القصة من أسرار. وقالوا: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} (الكهف: 16). فالكهف على وحشته وضيقه، وخلوه من كل أسباب الراحة، تنتشر في جنباته رحمات الله، فيشعرون بها، وفي التعبير بالفعل المضارع في ينشر ويهيئ، دليل على التجدد والحدوث، وأن الله سينشر لهم رحمته في الحال والمآل، ثم تنتقل القصة إلى مشهد آخر، فتقول: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} (الكهف: 17) الآية والتي بعدها، وتعجز آلات التصوير وفنانو الإخراج عن تصوير هذا المشهد،ويقال بأن الشمس إذا طلعت منع الله ضوءها من الوقوع عليهم، وكذلك وقت الغروب، فكان هذا آية من آيات الله، وزيادة في حفظهم يقول: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} (الكهف: 18) لئلا تؤثر الأرض في أجسامهم، وقد أضاف للمشهد صورة لكلب كان قد تبعهم، فنام في فناء الكهف كأنه على بابه كما تنام الكلاب: {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} (الكهف: 18) فقد جعل الله هذا المنظر مشهدًا لأناس نائمين أعينهم مفتوحة، وكلبهم ماد وباسط ذراعيه بمدخل الكهف؛ ليكون هذا المنظر سببًا في رد وصد كل من حاول أن يقتحم هذا المكان، ليعرف ما فيه حتى يتم الله أمره.
ولما استيقظوا وجدوا أنفسهم في حاجة إلى الطعام، وكان معهم بعض المال الذي حملوه معهم إلى الكهف، فطلبوا أن يذهب واحد منهم بما معه من المال: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف: 19، 20).
وذهب هذا الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا، ولكن أمره قد انكشف وأُخذ إلى الملك، فذكر له ما كان من أمرهم، وعلم هذا الرسول أنَّ الملك قد تغير أمره، ولم يعد هو الملك الكافر، إنّما هذا ملك مسلم، فذهب الملك ومعه حاشيته إلى مكان الكهف، ورأوا هؤلاء الفتية، ولما رأى هؤلاء الفتية ورآهم من معه، ألقى الله سبحانه وتعالى مرة أخرى النوم على هؤلاء الفتية، ولكن هذا النوم هذه المرة ليس كسابقه، إنّما هو موتهم وقبض أرواحهم، كما يموت كل الناس، ولذلك قال ربنا: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} (الكهف: 21) فقد اختلفوا في أمر هؤلاء الفتية، فوصل قرارهم بأن يقيموا على هؤلاء مسجدًا يكون علامة على وجودهم.
- قصة صاحب الجنتين:
صاحب الجنتين رجل كان في بني إسرائيل اسمه باراطوس، وكان كافرًا وله أخ مؤمن اسمه يهوذا، وقيل: إنّ الأخوين هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} (الصافات: 51) الآيات، وقيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم؛ الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافرًا، وأبا سلمة عبد الله بن الأسود وكان مؤمنًا، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل، أنفق أحدهما ماله في سبيل الله، وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله.
أما مكان ما حدث فقيل: بحيرة تنيس كانت موضع هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفقه في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة. قال: "فأغرقها الله في ليلة، وإياهما عني الله بهذه الآيات".
فبعد أن يقول الله لرسوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} (الكهف: 32) فتشوفت النفس لمعرفة ما كان من أمر الرجلين، فبدأ بأولهما فبين ما منحه الله من خيرات فقال: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (الكهف: 32- 34)
- أن الله سبحانه وتعالى قال: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} (الكهف: 32) فأسند الجعل إلى قدرته القادرة، وبين بذلك أن هذا رزق من الله سبحانه وتعالى؛ ليكون من البداية هذا سببًا في أنه يستحق أن يشكر لا أن يكفر، ثم قال جل من قائل: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} (الكهف: 33) فبين بذلك أن كل جنة من الجنتين قد أعطت غاية ما يمكن أن يكون من ثمر في مثل هذه الحدائق الغناء، وفي قوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} (الكهف: 33) معناه أنها أعطت ثمارها كاملة غير منقوصة، ومما يزيدها بهجة ورواء أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} (الكهف: 33) فجر الله سبحانه وتعالى خلال الجنتين -أي بين الجنتين- نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين الجنتين تؤتي أكلها كاملة، وكان لهذا الرجل أيضًا بالإضافة إلى ذلك ثمر، أما المشهد الثاني الذي أشار له القرآن في مطلع ما كان بين الرجلين: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (الكهف: 34) ثم ما كان من قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} (الكهف:35، 36) فصاحبه كان معه من البداية قبل أن يدخل إلى جنته، وأنه حين طلب منه المساعدة قال: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، فظن لجهله أن هذه الحديقة الأنيقة الرائعة الممتدة على مد البصر، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدًا، وما علم أن الأيام دول، استمع صاحبه إلى هذا الإنكار للساعة، وإلى هذا الفهم السيئ للأمور، فقال له وهو يحاوره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدً} (الكهف:37، 38) إلى آخر ما ذكر هذا الرجل الصالح.
نعم إن كان في الدنيا لم ينل مالًا ولا ولدًا، بالقدر الذي يكون عليه هذا الإنسان الغني المتغطرس، فليفهم أن الله هو الرزاق، وأنه جل وعلا ربما يمن عليه بخير من جنته هذه، يعطيه هذا في الدنيا، أو يعطيه هذا في الآخرة، أما جنته فإن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، فتصبح صعيدًا زلقًا، وانظروا إلى تعبير القرآن: {حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} (الكهف: 40).
أو هناك أمر آخر هي أن يصبح ماء هاتين الجنتين غائرًا، فلن تستطيع له طلبًا، فهذا النهر الذي يسقي هذه الزروع وهذه الثمار، الله سبحانه وتعالى هو الذي أجراه، وهو القادر أيضًا أن يجعل ماء هذا النهر يغور وينقص بل ويجف، وحينذاك لا يستطيع هذا الرجل -مهما بذل- أن يستخرج هذا الماء مرة أخرى، نظر هذا الرجل نظرة الآسف الحزين: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (الكهف: 42) .
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (قصة موسى والخضر، قصة يوسف مع امرأة العزيز).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد أخي الطَّالب، سلامُ الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس العاشر من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وكنا قد تناولنا في الدرس السابق الكلام عن (المقصود بالقصة ومعنى أنها في القرآن الكريم، والدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص، والفرق بين تناول القصة في التفسير الموضوعي، وفي الفن القصصي)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين)،
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية
عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
أولًا: تعرف قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر.ثانيًا: تتعرف على قصة صاحب الجنتين.
عناصر الدرس
10.1 قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر.
10.2 قصة صاحب الجنتين.
ملخص الدرس
- قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر:
قصة أصحاب الكهف جاءت معجزة ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جملة ما أخبر به، مما لا سبيل لمعرفته إلا عن طريق الوحي، إذ ورد في سبب النزول أنَّ قريشًا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة؛ ليسألوهم عن محمد وصفته، فإنَّ اليهود في نظر قريش أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عند قريش، فماذا كان من أمر أحبار اليهود حين سئلوا عن ذلك؟ قالوا: "سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي وإلا فهو مُتَقَوِّل" أي: يقول كلامًا كذبًا.
فلما جاءا وأخبرا قريشًا بما قال لهما أحبار اليهود، سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: ((أخبركم بذلك غدًا)) ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي خمسة عشر يومًا لا ينزل عليه بذلك، مما أثار الأقاويل كيف كان يقول: سأخبركم غدًا، وها هو ذا لم يأته خبر بذلك طوال هذه الأيام، ونزل القرآن بعد هذا الغياب يقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} (الكهف: 23، 24).
وتبدأ القصة بعد هذه المقدمة، بكلمات تنبئ عن الحقيقة سافرة مضيئة، كالشمس في رابعة النهار، فيقول عز من قائل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} (الكهف: 13) فدل قوله: نحن، وقوله: نقص، بنون المعظم لنفسه، على أن الذي يذكر ذلك هو الله العظيم، المتصف بكل صفات الجلال والكمال، فما يخبر به منبثق من باب العليم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وفي توجيه الخطاب من الله لرسوله في قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} (يوسف: 3) إيناس له وعناية به وتطمين لقلبه.
أما قوله: نبأهم، فهو دليل على أن هذا ليس مجرد خبر يقال، إنما هو نبأ عظيم وقصة فيها الكثير من الدروس النافعة، فقوله: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} (الكهف: 10) وقد تبين لنا من هذا الوصف أنهم شباب في سن الفتوة والقوة، وهذا يرشدنا إلى أن الشباب أقرب إلى التغيير والتحول، بخلاف الطاعنين في السن الذين ألفوا ما هم عليه، ويصعب تغييرهم إلى الأحسن ،وقد وصف الله هؤلاء الفتية بأنهم آمنوا بربهم، وأن الله بفضله زادهم هدى.
وفي قولهم: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الكهف: 14) إحساس عظيم بربوبية الله لهم وعظيم عطائه إليهم، وهيمنته وتصريفه وحده لأمورهم، وهذا الذي كانت عليه أمم الأرض في الفصل بين الربوبية والألوهية، مخالف للعقل والواقع، ومن يفعله فقد اشتط في الحكم؛ ولهذا قال هؤلاء الفتية: {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} (الكهف: 14) ثم قالوا للملك: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} (الكهف: 15) فبينوا للملك وحاشيته بأن قومهم قد أشركوا بالله آلهة لا تستحق العبادة، وأن هذا الذي فعلوه لا يستطيعون أن يأتوا بدليل واحد على صحته، وبالتالي فهم قد ظلموا أنفسهم، وظلموا خالقهم حين عبدوا معه آلهة أخرى لا دليل عليها، ولهذا قالوا: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الأنعام: 144) وكم في هذا التعبير القرآني في القصة من أسرار. وقالوا: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} (الكهف: 16). فالكهف على وحشته وضيقه، وخلوه من كل أسباب الراحة، تنتشر في جنباته رحمات الله، فيشعرون بها، وفي التعبير بالفعل المضارع في ينشر ويهيئ، دليل على التجدد والحدوث، وأن الله سينشر لهم رحمته في الحال والمآل، ثم تنتقل القصة إلى مشهد آخر، فتقول: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ} (الكهف: 17) الآية والتي بعدها، وتعجز آلات التصوير وفنانو الإخراج عن تصوير هذا المشهد،ويقال بأن الشمس إذا طلعت منع الله ضوءها من الوقوع عليهم، وكذلك وقت الغروب، فكان هذا آية من آيات الله، وزيادة في حفظهم يقول: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} (الكهف: 18) لئلا تؤثر الأرض في أجسامهم، وقد أضاف للمشهد صورة لكلب كان قد تبعهم، فنام في فناء الكهف كأنه على بابه كما تنام الكلاب: {بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} (الكهف: 18) فقد جعل الله هذا المنظر مشهدًا لأناس نائمين أعينهم مفتوحة، وكلبهم ماد وباسط ذراعيه بمدخل الكهف؛ ليكون هذا المنظر سببًا في رد وصد كل من حاول أن يقتحم هذا المكان، ليعرف ما فيه حتى يتم الله أمره.
ولما استيقظوا وجدوا أنفسهم في حاجة إلى الطعام، وكان معهم بعض المال الذي حملوه معهم إلى الكهف، فطلبوا أن يذهب واحد منهم بما معه من المال: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} (الكهف: 19، 20).
وذهب هذا الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا، ولكن أمره قد انكشف وأُخذ إلى الملك، فذكر له ما كان من أمرهم، وعلم هذا الرسول أنَّ الملك قد تغير أمره، ولم يعد هو الملك الكافر، إنّما هذا ملك مسلم، فذهب الملك ومعه حاشيته إلى مكان الكهف، ورأوا هؤلاء الفتية، ولما رأى هؤلاء الفتية ورآهم من معه، ألقى الله سبحانه وتعالى مرة أخرى النوم على هؤلاء الفتية، ولكن هذا النوم هذه المرة ليس كسابقه، إنّما هو موتهم وقبض أرواحهم، كما يموت كل الناس، ولذلك قال ربنا: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} (الكهف: 21) فقد اختلفوا في أمر هؤلاء الفتية، فوصل قرارهم بأن يقيموا على هؤلاء مسجدًا يكون علامة على وجودهم.
- قصة صاحب الجنتين:
صاحب الجنتين رجل كان في بني إسرائيل اسمه باراطوس، وكان كافرًا وله أخ مؤمن اسمه يهوذا، وقيل: إنّ الأخوين هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} (الصافات: 51) الآيات، وقيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم؛ الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافرًا، وأبا سلمة عبد الله بن الأسود وكان مؤمنًا، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل، أنفق أحدهما ماله في سبيل الله، وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله.
أما مكان ما حدث فقيل: بحيرة تنيس كانت موضع هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفقه في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة. قال: "فأغرقها الله في ليلة، وإياهما عني الله بهذه الآيات".
فبعد أن يقول الله لرسوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ} (الكهف: 32) فتشوفت النفس لمعرفة ما كان من أمر الرجلين، فبدأ بأولهما فبين ما منحه الله من خيرات فقال: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (الكهف: 32- 34)
- أن الله سبحانه وتعالى قال: {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} (الكهف: 32) فأسند الجعل إلى قدرته القادرة، وبين بذلك أن هذا رزق من الله سبحانه وتعالى؛ ليكون من البداية هذا سببًا في أنه يستحق أن يشكر لا أن يكفر، ثم قال جل من قائل: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} (الكهف: 33) فبين بذلك أن كل جنة من الجنتين قد أعطت غاية ما يمكن أن يكون من ثمر في مثل هذه الحدائق الغناء، وفي قوله: {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} (الكهف: 33) معناه أنها أعطت ثمارها كاملة غير منقوصة، ومما يزيدها بهجة ورواء أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} (الكهف: 33) فجر الله سبحانه وتعالى خلال الجنتين -أي بين الجنتين- نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين الجنتين تؤتي أكلها كاملة، وكان لهذا الرجل أيضًا بالإضافة إلى ذلك ثمر، أما المشهد الثاني الذي أشار له القرآن في مطلع ما كان بين الرجلين: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (الكهف: 34) ثم ما كان من قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} (الكهف:35، 36) فصاحبه كان معه من البداية قبل أن يدخل إلى جنته، وأنه حين طلب منه المساعدة قال: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، فظن لجهله أن هذه الحديقة الأنيقة الرائعة الممتدة على مد البصر، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدًا، وما علم أن الأيام دول، استمع صاحبه إلى هذا الإنكار للساعة، وإلى هذا الفهم السيئ للأمور، فقال له وهو يحاوره: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدً} (الكهف:37، 38) إلى آخر ما ذكر هذا الرجل الصالح.
نعم إن كان في الدنيا لم ينل مالًا ولا ولدًا، بالقدر الذي يكون عليه هذا الإنسان الغني المتغطرس، فليفهم أن الله هو الرزاق، وأنه جل وعلا ربما يمن عليه بخير من جنته هذه، يعطيه هذا في الدنيا، أو يعطيه هذا في الآخرة، أما جنته فإن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، فتصبح صعيدًا زلقًا، وانظروا إلى تعبير القرآن: {حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} (الكهف: 40).
أو هناك أمر آخر هي أن يصبح ماء هاتين الجنتين غائرًا، فلن تستطيع له طلبًا، فهذا النهر الذي يسقي هذه الزروع وهذه الثمار، الله سبحانه وتعالى هو الذي أجراه، وهو القادر أيضًا أن يجعل ماء هذا النهر يغور وينقص بل ويجف، وحينذاك لا يستطيع هذا الرجل -مهما بذل- أن يستخرج هذا الماء مرة أخرى، نظر هذا الرجل نظرة الآسف الحزين: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (الكهف: 42) .
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس العاشر، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الحادي عشر، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (قصة موسى والخضر، قصة يوسف مع امرأة العزيز).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18992
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق