الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الدرس1:
المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد، أخي الطَّالب، سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الأول من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وفي هذه المادة يمكنك أن تتعرف على عدة موضوعات؛ منها: (الأخلاق في القرآن، ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الأمر بالصفح، الإحسان إلى الوالدين، الآداب الاجتماعية في القرآن، أهمية القصة في القرآن الكريم، الأمثال في القرآن، وغير ذلك من الموضوعات)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)،
الثمرات التعليمية
ثانيا: تعرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الكتاب والسنة.
ثالثًا: تتبين الدوافع التي تدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عناصر الدرس
1.1 التعريف بالتفسير الموضوعي والأخلاق في القرآن الكريم.
1.2 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الكتاب والسنة.
1.3 الدوافع التي تدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ملخص الدرس
* التعريف بالتفسير الموضوعي: هو علم يبحث في القرآن الكريم، من حيث استخراج ما في القرآن من موضوعات، وجمع الآيات المتعلقة بكل موضوع، وتقسيمها إلى عناصر يسميها الباحث فصولًا، أو يجعل الفصول أبوابًا، أو يقسمها إلى فقرات يعرضها، فينتقل من فصل إلى فصل، ومن باب إلى باب، ومن فقرة إلى فقرة، إلى أن يوفي الموضوع حقه من البحث، وقد ألف العلماء في بداية القرن الثاني الهجري وما بعده كتبًا في موضوعات جمعوا فيها الآيات، فكانت بداية موفقة لدراسة موضوعات القرآن، ويدخل في التفسير الموضوعي ما يسمَّى أيضًا بالوحدة الموضوعية في السورة، بأن يجتهد المفسّر في تحديد الهدف والمحور الذي تدور حوله آيات السورة، وقد يكون للسورة أكثر من هدف.
- الأخلاق في القرآن الكريم: قد عرفها الإمام الغزالي في (الإحياء) فقال: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فما يصدر عن النفس البشرية من أفعال دون تكلّف، هو الذي يطلق عليه بأنه خلق، وما يكون من الإنسان بتكلف وتحت أي ظروف لا يعد خلقًا؛ كمن طبعه السخاء والكرم، لكنه بخل في موقف من المواقف، بسبب من الأسباب، فلا يقال عنه بأنه بخيل، والعكس صحيح، فمن كان خلقه البخل، ولكنه لأمر ما، ساعد محتاجًا أو تبرع بمبلغ من المال، لا يقال عنه بأنه كريم".
* - ورود كلمة المعروف في القرآن الكريم وما تدل عليه:
وقد وردت مادة العين والراء والفاء عدة مرات في كتاب الله، كما وردت مادة النون والكاف والراء عدة مرات كذلك، وهي غالبًا تأتي مقترنة بالمعروف، وبالنظر في كتاب الله، نجد أنها قد وردت بهذا المعنى في سورة آل عمران، في ثلاثة مواضع، في قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104). فهذا أمر من الله لأمة الإسلام أن تكون بكامل أفرادها قائمة على قدم وساق، لا يغفلون ولا يتهاونون ولا يتوانون في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف والنهي عنه، كما دلّ على ذلك ما جاء في الموضع الثاني في السورة -سورة آل عمران، من بيان سبب خيرية الأمة الإسلامية، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110) يقول ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأحاديث والأقوال: "والصحيح أنّ هذه الآية عامّة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذي بعث فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلوونهم، ثم الذين يلوونهم".
والموضع الثالث في سورة آل عمران، جاء في ذكر صفة فئة من أهل الكتاب، عرفوا الحق فاتبعوه؛ كعبد الله بن سلام، وغيره ممّن أسلموا من أهل الكتاب، قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 114)، فذكر من صفاتهم التي تميزوا بها، وكانوا بها من الصالحين، أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي سورة النساء، في قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء: 114)، ترى أنّ الله حصر خير الكلام في ثلاثة، في الأمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، ومع أنّ الأمر بالصدقة أمرٌ بالمعروف، وأن الأمر بالإصلاح بين الناس أمر بالمعروف، إلّا أن الأمر بالمعروف أعمّ وأشمل، فقد ذكر أمرًا خاصًّا ثم عامًّا ثم خاصًّا؛ ليكون هذا الأمر العام، وهو المعروف، واسطة العقد؛ إزهارًا لمنزلته وأهميته.
وفي سورة المائدة، في بيان ما كان من أمر بني إسرائيل، يقول تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: 79)، وفي سورة الأعراف، نرى ذلك في بيان صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، كما قال ربنا: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157).
وغير ذلك من الآيات التي وردت فيها كلمة المعروف وكلمة المنكر في كتاب الله، وليس المعروف أو المنكر ما تواضعت عليه المجتمعات، ورضيه الناس طريقًا لحياتهم؛ لأنّ الشرع هو الأصل، ولأن العقل تابعًا له، والعقل لا ينفرد بالحكم على الفعل بالحسن أو القبح؛ لأنه لا يستطيع ذلك، إنَّما يهديه ويرشده نور وحي الإلهي.
وجاء في السنة المطهرة، من ترغيب وحثٍّ على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وردت جملة من الأحاديث في ذكر ذلك:
روى الإمام البخاري بسنده، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلّا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر))، وروى الإمام مسلم بسنده، عن أبي ذر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحه صدقة، وكل تحميده صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتين يركعهما من الضحى))، وروى بسنده عن حذيفة بن اليمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) وروى بسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ منكم فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)).
وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). وروى النسائي بسنده عن طارق بن شهاب قال: قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع بيده فغيّره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيّره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان)).
* الدوافع التي تدعوا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
من هذه الآيات والأحاديث نستطيع أن نعرف الدوافع التي تدعو أيّ إنسان ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالذي يدعو أيّ إنسان ليكون مما أكرمهم الله واختارهم، ووصفهم في قوله: {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} هو الإيمان بالله، وعلى قدر إيمان المؤمن يكون جهده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنّ الظروف الاجتماعية لها أثرها في ذلك، فالمجتمع المتكافل في ضبط خطى أبنائه على طريق الثبات، وفي محاربة كل مظاهر الفساد، يساعد أفراده على القيام بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا جاء توجيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمته، وهو يضرب لها مثلًا للعلاقة بين القائمين على حدود الله والواقعين فيها، فيقول: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا))؛ كما أنّ هذا الأمر يحتاج إلى تربية إيمانية ونفسية، تجعل كل فرد في الأمة واثقًا من نفسه، يدرك أنه قادر على رد القافلة الشاردة ورأب الصدع في مجتمه، وأنه إذا قال: استمع الناس لقوله؛ لما يرون فيه من صدق اللهجة وحسن الأدب وقوة البيان والقدرة على الإقناع.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم مكلف قادر على ذلك، كل بحسب قدرته، كما بيّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ((من رأي منكم منكرا فليغيره بيده))، واشترط قوم العدالة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، والواقع أنّ هذا شرط كمال. ومن الأدب أن يكون من يأمر غيره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، هو أول من يأتمر بما أمر به وينتهي عما نهى عنه، وما عاب الله على هؤلاء أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنما عاب عليهم هذا التناقض بين قولهم وفعلهم.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الأول، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثاني، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (الصفح والعفو).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد، أخي الطَّالب، سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته، ومرحبًا بك في الدرس الأول من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادة التفسير الموضوعي (2)، لهذا الفصل الدِّراسيّ، آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة، وفي هذه المادة يمكنك أن تتعرف على عدة موضوعات؛ منها: (الأخلاق في القرآن، ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الأمر بالصفح، الإحسان إلى الوالدين، الآداب الاجتماعية في القرآن، أهمية القصة في القرآن الكريم، الأمثال في القرآن، وغير ذلك من الموضوعات)، وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)،
فأهلًا وسهلًا بك.
الثمرات التعليمية
عزيزي الدارس، عند نهاية هذا الدرس، سيتاح لك -بإذن الله- أن:
أولًا: تتعرف على التعريف بالتفسير الموضوعي والأخلاق في القرآن الكريم.ثانيا: تعرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الكتاب والسنة.
ثالثًا: تتبين الدوافع التي تدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عناصر الدرس
1.1 التعريف بالتفسير الموضوعي والأخلاق في القرآن الكريم.
1.2 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الكتاب والسنة.
1.3 الدوافع التي تدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ملخص الدرس
* التعريف بالتفسير الموضوعي: هو علم يبحث في القرآن الكريم، من حيث استخراج ما في القرآن من موضوعات، وجمع الآيات المتعلقة بكل موضوع، وتقسيمها إلى عناصر يسميها الباحث فصولًا، أو يجعل الفصول أبوابًا، أو يقسمها إلى فقرات يعرضها، فينتقل من فصل إلى فصل، ومن باب إلى باب، ومن فقرة إلى فقرة، إلى أن يوفي الموضوع حقه من البحث، وقد ألف العلماء في بداية القرن الثاني الهجري وما بعده كتبًا في موضوعات جمعوا فيها الآيات، فكانت بداية موفقة لدراسة موضوعات القرآن، ويدخل في التفسير الموضوعي ما يسمَّى أيضًا بالوحدة الموضوعية في السورة، بأن يجتهد المفسّر في تحديد الهدف والمحور الذي تدور حوله آيات السورة، وقد يكون للسورة أكثر من هدف.
- الأخلاق في القرآن الكريم: قد عرفها الإمام الغزالي في (الإحياء) فقال: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروية، فما يصدر عن النفس البشرية من أفعال دون تكلّف، هو الذي يطلق عليه بأنه خلق، وما يكون من الإنسان بتكلف وتحت أي ظروف لا يعد خلقًا؛ كمن طبعه السخاء والكرم، لكنه بخل في موقف من المواقف، بسبب من الأسباب، فلا يقال عنه بأنه بخيل، والعكس صحيح، فمن كان خلقه البخل، ولكنه لأمر ما، ساعد محتاجًا أو تبرع بمبلغ من المال، لا يقال عنه بأنه كريم".
* - ورود كلمة المعروف في القرآن الكريم وما تدل عليه:
وقد وردت مادة العين والراء والفاء عدة مرات في كتاب الله، كما وردت مادة النون والكاف والراء عدة مرات كذلك، وهي غالبًا تأتي مقترنة بالمعروف، وبالنظر في كتاب الله، نجد أنها قد وردت بهذا المعنى في سورة آل عمران، في ثلاثة مواضع، في قول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104). فهذا أمر من الله لأمة الإسلام أن تكون بكامل أفرادها قائمة على قدم وساق، لا يغفلون ولا يتهاونون ولا يتوانون في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف والنهي عنه، كما دلّ على ذلك ما جاء في الموضع الثاني في السورة -سورة آل عمران، من بيان سبب خيرية الأمة الإسلامية، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110) يقول ابن كثير بعد أن ذكر بعض الأحاديث والأقوال: "والصحيح أنّ هذه الآية عامّة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذي بعث فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلوونهم، ثم الذين يلوونهم".
والموضع الثالث في سورة آل عمران، جاء في ذكر صفة فئة من أهل الكتاب، عرفوا الحق فاتبعوه؛ كعبد الله بن سلام، وغيره ممّن أسلموا من أهل الكتاب، قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 114)، فذكر من صفاتهم التي تميزوا بها، وكانوا بها من الصالحين، أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي سورة النساء، في قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء: 114)، ترى أنّ الله حصر خير الكلام في ثلاثة، في الأمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، ومع أنّ الأمر بالصدقة أمرٌ بالمعروف، وأن الأمر بالإصلاح بين الناس أمر بالمعروف، إلّا أن الأمر بالمعروف أعمّ وأشمل، فقد ذكر أمرًا خاصًّا ثم عامًّا ثم خاصًّا؛ ليكون هذا الأمر العام، وهو المعروف، واسطة العقد؛ إزهارًا لمنزلته وأهميته.
وفي سورة المائدة، في بيان ما كان من أمر بني إسرائيل، يقول تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: 79)، وفي سورة الأعراف، نرى ذلك في بيان صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأن أهل الكتاب يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، كما قال ربنا: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157).
وغير ذلك من الآيات التي وردت فيها كلمة المعروف وكلمة المنكر في كتاب الله، وليس المعروف أو المنكر ما تواضعت عليه المجتمعات، ورضيه الناس طريقًا لحياتهم؛ لأنّ الشرع هو الأصل، ولأن العقل تابعًا له، والعقل لا ينفرد بالحكم على الفعل بالحسن أو القبح؛ لأنه لا يستطيع ذلك، إنَّما يهديه ويرشده نور وحي الإلهي.
وجاء في السنة المطهرة، من ترغيب وحثٍّ على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وردت جملة من الأحاديث في ذكر ذلك:
روى الإمام البخاري بسنده، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلّا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر))، وروى الإمام مسلم بسنده، عن أبي ذر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحه صدقة، وكل تحميده صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتين يركعهما من الضحى))، وروى بسنده عن حذيفة بن اليمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) وروى بسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ منكم فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)).
وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). وروى النسائي بسنده عن طارق بن شهاب قال: قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع بيده فغيّره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيّره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان)).
* الدوافع التي تدعوا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
من هذه الآيات والأحاديث نستطيع أن نعرف الدوافع التي تدعو أيّ إنسان ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالذي يدعو أيّ إنسان ليكون مما أكرمهم الله واختارهم، ووصفهم في قوله: {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} هو الإيمان بالله، وعلى قدر إيمان المؤمن يكون جهده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنّ الظروف الاجتماعية لها أثرها في ذلك، فالمجتمع المتكافل في ضبط خطى أبنائه على طريق الثبات، وفي محاربة كل مظاهر الفساد، يساعد أفراده على القيام بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا جاء توجيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمته، وهو يضرب لها مثلًا للعلاقة بين القائمين على حدود الله والواقعين فيها، فيقول: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا))؛ كما أنّ هذا الأمر يحتاج إلى تربية إيمانية ونفسية، تجعل كل فرد في الأمة واثقًا من نفسه، يدرك أنه قادر على رد القافلة الشاردة ورأب الصدع في مجتمه، وأنه إذا قال: استمع الناس لقوله؛ لما يرون فيه من صدق اللهجة وحسن الأدب وقوة البيان والقدرة على الإقناع.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم مكلف قادر على ذلك، كل بحسب قدرته، كما بيّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ((من رأي منكم منكرا فليغيره بيده))، واشترط قوم العدالة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، والواقع أنّ هذا شرط كمال. ومن الأدب أن يكون من يأمر غيره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، هو أول من يأتمر بما أمر به وينتهي عما نهى عنه، وما عاب الله على هؤلاء أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنما عاب عليهم هذا التناقض بين قولهم وفعلهم.
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام الدرس الأول، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثاني، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول: (الصفح والعفو).
هذا، والله وليُّ التَّوفيق.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
-
001.doc
- http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=18983
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق