ملحد يتساءل لماذا تبغضونني ؟
:
الحمد لله
نشكر لك صراحتك وجرأتك في إرسال هذا السؤال ، وتأكد أن الجواب عليه من
دواعي سرورنا ، فقلوبنا وقلب كل مسلم مليئة بالرحمة والشفقة على جميع الخلق
، مؤمنهم وكافرهم ، ذكرهم وأنثاهم ، صغيرهم وكبيرهم ، أبيضهم وأسودهم ؛
كلهم بنو آدم ، وآدم من تراب ، فالآدمية التي تجمعنا تذكرنا نحن المسلمين
بأن أبانا آدم عليه السلام أخرجته معصيته من الجنة ، فعاد ذلك على ذريته
بالابتلاء ما بقيت الدنيا ، فمن بقي على فطرة التوحيد التي كان عليها آدم
عليه السلام فاز ونجا ورجع إلى وطنه الأصلي الذي هو جنة الخلد عند رب
العالمين ، ومن تخطفته الأهواء والأدواء من بني آدم مادت به إلى الخسارة
الحقيقية ، وحرم الرجوع إلى جنان الخلد التي أخرج منها أبونا آدم عليه
السلام .
قال رسولنا صلى الله عليه وسلم :
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ
وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ ، وَلَا
لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا
أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى )
حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده (23489 ـ الرسالة ) .
من هنا تبدأ علاقتنا بك ، ومن هذه الفلسفة يطالب المسلم بالنظر إلى جميع
الخلق ، أنهم سبي أعدائهم من نوازع النفس والشيطان ، ولا بد من إعانتهم
جميعا على تجاوز هذه القيود إلى حرية العلاقة بالله الواحد الأحد ، الفرد
الصمد ؛ الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ؛ وتلك رسالة أنبيائه
المكرمين جميعا .
وهكذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، تذرف منه الدموع ، ويتفطر منه
القلب ، وتتقطع نفسه رحمة وأسفا على من لم يؤمن به ، ولم يلحق بركبه الذي
سيعيده إلى داره الأولى التي خلق لها وأخرج منها ، التي هي الجنة ، وقد
استحقت تلك الشفقة العظيمة التي جوت قلب النبي صلى الله عليه وسلم أن
يسجلها الله عز وجل في القرآن الكريم ، فقال مخاطبا له ( فَلَعَلَّكَ
بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَسَفًا ) الكهف/6، أي : " مهلك نفسك بحزنك عليهم " ينظر "
تفسير القرآن العظيم " (5/137)
نحن لا نبغضك لشخصك ، إذ كيف نبغضك ونحن لا نعرفك ولم نلتق بك ، نحن لم
ننفر يوما من لونك ، ولا جنسك ، ولا عائلتك ؛ نحن محرم علينا ذلك كله : أن
نحب الناس أو نبغضهم لأجل ألوانهم ، أو أنسابهم ، أو آبائهم ، أو أمهاتهم ؛
إنما بغضنا وعداوتنا للكفر والإلحاد الذي تحمله في قلبك ، ويوشك أن يهلكك ،
ويودي بك في عذاب الله الأبدي ، ويجلب عليك شقاء الدنيا والآخرة ؛ كم نحن
مشفقون عليك من هذا الشقاء ، ساعون في إزالته عنك ، فليت أننا استطعنا ذلك
!!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ
عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ :
مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ !!
أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ ؛ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ !!
لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ
فَحْمِ جَهَنَّمَ ؛ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ
الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) .
حديث صحيح ، رواه أبو داود (5116) وغيره .
إننا نظنك توافقنا الرأي : أن من حق جميع البشر أن يعتقدوا بحب أو ببغض أي
فكر أو معتقد ، فذلك من مقتضيات الحريات التي تكفلها الدساتير الحديثة
اليوم ، ولكن ليس من حق أي بشر أن يعامل مَن يخالفه في المعتقد بالظلم
والأذى والخيانة ، والسعي في نزول الضر والشر به ، لمجرد اختلافهما في شأن
المعتقد .
لو كنت تعيش بين مسلمين يلتزمون بحقيقة الإسلام لعشت حياة طيبة سعيدة ،
ونلت حقوقا قدمتها شريعة الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة ، لا تضاهيها
الحقوق التي تقدمها المدنيات الحديثة ، وقد كانت الأرض يومئذ تموج بالظلم
والطغيان وإلغاء كرامة الإنسان ، وأول هذه الحقوق حق تدينك بالمعتقد الذي
تراه ، كما ذهب إليه كثير من الفقهاء والعلماء ، قال ابن العربي رحمه الله :
" قال سائر علمائنا : تؤخذ الجزية من كل كافر ، وهو الصحيح " انتهى. "
أحكام القرآن " (1/156) ونحوه في " تفسير القرطبي " (8/110)، وقال ابن
القيم : " وهذا القول أصح في الدليل " انتهى. "زاد المعاد" (5/92). وإذا
كان معتقدك هو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية فلك الحرية الكاملة
باتفاق الفقهاء ، فقد قال تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )
البقرة/256.
لو عشت بين المسلمين حقا لأمنت على نفسك من أي أذى تحت أي ذريعة ، فقد قال
نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا
لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ
مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) رواه البخاري (رقم/6914)
ولو عشت بين المسلمين حقا لأمنت على جميع أموالك من أي تعد ، فقد تبرأ نبي
الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ممن اعتدى على مال غير المسلمين وقال : (
أَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ) رواه البخاري (رقم/2731)
ولو عشت بين المسلمين وأصابك مرض أو ضر أو ابتلاء لتسارعوا إلى زيارتك
والوقوف بجانبك رجاء ثواب الله عز وجل ؛ إنهم لن يزالوا طامعين في نجاتك من
النار ، حتى وأنت على فراش الموت ؛ إنك ـ حينئذ ـ لن تملك لهم ضرا ولا
نفعا ، ولا خفضا ولا رفعا ، هذا لو قدرنا أن أحدا يملكه في قوته وسلطانه ،
إنهم لا يرجون منك في مثل تلك الحال ، إلا ما كانوا يرجونه لك ، وأنت على
ما أنت عليه الآن : أن ينقذك الله من النار :
ألم تسمع بخبر نبينا محمد ، صلى الله عليه وسلم ؛ لقد كان له غلام يهودي ،
يخدمه ويحسن صحبته ( فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ :
أَسْلِمْ ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُ :
أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمَ ،
فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ :
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ) رواه البخاري
(رقم/1356)
ولو كنت تعيش بين المسلمين حقا لفرض لك المجتمع نفقة شهرية تعينك على
تكاليف الحياة ، ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة
بالعراق , وكانوا من النصارى : " وجعلت لهم : أيما شيخ ضعف عن العمل , أو
أصابته آفة من الآفات , أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه ,
طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله " انتهى من "الخراج " لأبي
يوسف (ص144)
إن عنوان رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وباختصار شديد : أنه رحمه .
قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/107. والله أعلم.
وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ) .
رواه الدارمي (15) وصححه الألباني .
ولو رحنا نسوق نماذج التسامح الإسلامي عبر تاريخ الدولة الإسلامية لاستغرق
ذلك عشرات الصفحات ، فإن أردت التوسع بالقراءة والمطالعة يمكنك مراجعة كتاب
الأستاذ الدكتور عمر بن عبدالعزيز بعنوان " سماحة الإسلام "، طباعة
المكتبة الذهبية ، ومكتبة الأديب .
نسأل الله جل جلاله أن يهدي قلبك ، ويشرح صدرك ، ويأخذ بناصيتك إليه .
موقع الإسلام سؤال وجواب
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=45374
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق