إذا ظهر المفقود رجع إليه ماله وزوجته
الجواب : الحمد لله إذا ظهر المفقود حيا بعد أن حكم القاضي
الشرعي باعتباره ميتا ، وكانت زوجته قد تزوجت ودخل بها زوجها الثاني ،
فللفقهاء في هذه المسألة أقوال مختلفة : القول الأول : هي زوجة للأول الذي
كان مفقودا ثم ظهر ، وينفسخ نكاحها من الثاني ، وترجع إلى الأول بعد أن
تعتد ، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة مع فروق يسيرة في
التفاصيل . أما الحنفية فقد قال أبو حنيفة رحمه الله : " في المفقود لا
تتزوج امرأته حتى يأتيها الخبر بطلاق أو وفاة ، فتعتد ، ثم تتزوج ، فإن
تزوجت امرأة المفقود ثم قدم فرق بينهما وبين زوجها الآخر ، فإن كان قد دخل
بها كان لها الصداق بما استحل من فرجها " . انتهى من " الحجة على أهل
المدينة " (4/49-52) . ويقول الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله : " إذا نعي
إلى المرأة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ، ثم جاء زوجها الأول ، فهي امرأته ؛
لأنها كانت منكوحته ، ولم يعترض على النكاح شيء من أسباب الفرقة ، فبقيت
على النكاح السابق ، ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الثاني " انتهى من "
بدائع الصنائع " (3/215)، وقد وقع " للموسوعة الفقهية الكويتية " (38/279)
خطأ في نقل مذهب الحنفية في هذه المسألة . أما الشافعية فيقول الخطيب
الشربيني رحمه الله : " إذا بان حيا بعد أن نكحت فالزوج باق على زوجيته ،
لكن لا يطؤها حتى تعتد من الثاني " انتهى من " مغني المحتاج " (5/99) .
ويقول البهوتي الحنبلي رحمه الله : " إن كان عود الأول بعد دخول الثاني بها
، خُيِّر الأول : بين أخذها منه ، فتكون امرأته بالعقد الأول ، ولو لم
يطلق الثاني ، نصا ؛ لأن نكاحه كان باطلا في الباطن ، ويطأ الأول بعد عدة
الثاني . وبين تركها مع الثاني ؛ لقول عمر وعثمان وعلي ، وقضى به ابن
الزبير ، ولم يعرف لهم مخالف ، فكان كالإجماع . وإذا لم يخترها الأول :
كانت مع الثاني ، من غير تجديد عقد في الأشهر ؛ لأن الصحابة لم ينقل عنهم
تجديد عقد ، واختار الموفق التجديد ، وهو القياس " انتهى من " كشاف القناع "
(5/422) . ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " الصواب في هذه المسألة :
أن الزوج الأول بالخيار مطلقاً ، سواء قبل وطء الثاني أو بعده ، فإن أبقاها
للثاني فهي له ، ويأخذ منه صداقه ، ولا يرجع الثاني عليها بشيء ، وإن
أخذها فهي له " انتهى من " الشرح الممتع " (13/379) . القول الثاني : تبقى
الزوجة للزوج الثاني ، ولا سبيل للأول عليها ، وهو مذهب مالك بن أنس رحمه
الله حيث يقول : " إن تزوجت بعد انقضاء عدتها ، فدخل بها زوجها ، أو لم
يدخل بها ، فلا سبيل لزوجها الأول إليها ، قال مالك : وذلك الأمر عندنا ،
وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج فهو أحق بها " انتهى من " الموطأ " (2/575) .
ولكن المالكية اختاروا تقييد الأمر بالدخول ، فيقول الحطاب المالكي رحمه
الله : " فإن جاء المفقود ، أو تبين أنه حي ، أو أنه مات بعد دخول الثاني
بها : فإنها فاتت بدخوله بها " . انتهى من " مواهب الجليل " (4/157) ،
وانظر " حاشية الدسوقي على الشرح الكبير " (2/480) . واستدل الجمهور على
قولهم بأدلة عدة : الدليل الأول : ما روي من طرق عدة من قضاء عمر بن الخطاب
، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعا ، ولم يعرف لهم
مخالف من الصحابة ، وقد ورد ذلك عنهم بأسانيد عدة ، صححها كثير من العلماء ،
من أراد التوسع فيها فليرجع إلى كتاب " أقضية الخلفاء الراشدين "
(1/267-276). وأنكر مالك رحمه الله الأثر عن عمر بن الخطاب ، فقال : "
أدركت الناس ينكرون الذي قال بعض الناس على عمر بن الخطاب أنه قال : يخير
زوجها الأول إذا جاء ، في صداقها أو في امرأته ... وبلغني أن عمر بن الخطاب
قال : في المرأة يطلقها زوجها وهو غائب عنها ، ثم يراجعها ، فلا يبلغها
رجعته ، وقد بلغها طلاقه إياها ، فتزوجت أنه إن دخل بها زوجها الآخر أو لم
يدخل بها ، فلا سبيل لزوجها الأول الذي كان طلقها إليها ، قال مالك : وهذا
أحب ما سمعت إلي في هذا وفي المفقود " انتهى من " الموطأ " (2/575) . ولكن
أجاب ابن عبد البر رحمه الله عن إنكار الإمام مالك أثر عمر بن الخطاب رضي
الله عنه فقال : " هو عن عمر منقول بنقل العدول من رواية أهل الحجاز وأهل
العراق " . انتهى من " الاستذكار " (6/131) وتوسع في نقل الأسانيد والآثار .
الدليل الثاني : القياس ، فظهور المفقود دل على أن فسخ نكاح زوجته وقع خطأ
، وأنها باقية على ذمة زوجها الأول . لذلك قال محمد بن الحسن رحمه الله –
في مناقشة مذهب أهل المدينة في المسألة -: " كيف امرأة الأول إذا تزوجت
صارت امرأة الآخر ، أرأيتم في الحال الذي تزوجت فيها أكانت امرأة أول ، فإن
قالوا : نعم ، قيل لهم : فقد تزوجت ولها زوج ، وكيف حلت لغير زوجها وحرمت
على زوجها بتزوجها غيره ، هذا مما لا ينبغي لكم ولا لغيركم أن يُشْكِل خطؤه
عليه ... وهذا أحب القولين إلينا ، وأشبههما بالكتاب والسنة " . انتهى
باختصار من " الحجة على أهل المدينة " (4/52-58) . ثانيا : أما أمواله فقد
اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب إرجاع أعيان أمواله التي تقاسمها الورثة ،
واختلفوا فيما تلف منها ، وذهب ، وتم إنفاقه : هل يضمنه من أنفقه أم لا
يضمنه ؟ على قولين : الجمهور قالوا بالضمان ، وخالف الحنفية فقالوا بعدم
الضمان . ينظر " الموسوعة الفقهية " (38/280) يقول البهوتي الحنبلي رحمه
الله : " إن قدم المفقود بعد قسم المال : أخذ ما وجده من المال بعينه بيد
الوارث ، أو غيره ؛ لأنه قد تبين عدم انتقال ملكه عنه ، ورجع على من أخذ
الباقي ، بعد الموجود ، بِمِثْل مِثْلِيٍّ ، وقِيمةِ مُتَقَوِّم ؛ لتَعذُّر
رده بعينه " انتهى من " كشاف القناع " (4/466) . وحاصل ما سبق كله أن
المفقود إذا ظهر فإنه يسترجع زوجته وماله ، في قول جماهير العلماء . والله
أعلم .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=45380
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق