الخميس، 20 يونيو 2013

إعلام الموقعين عن رب العالمين

قال: واحتجوا أيضا بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه
يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل
عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته" وروى ابن وهب أيضا قال
حدثني ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم" وقال سفيان بن
عيينة عن عمرو عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: "أحرج بالله على كل
امرىء سأل عن شيء

ص -71-…لم يكن فإن الله قد بين ما هو كائن".
وقال أبو عمر: وروى جرير بن عبد
الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ما رأيت
قوما خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة
حتى قبض صلى الله عليه وسلم كلهن في القرآن يسألونك عن المحيض يسألونك عن الشهر
الحرام يسألونك عن اليتامى ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم" قال أبو عمر: "ليس في
الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث".
قلت: ومراد ابن عباس بقوله: "ما سألوه
إلا عن ثلاث عشرة مسألة" المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم وإلا فالمسائل
التي سألوه عنها وبين لهم أحكامه بالسنة لا تكاد تحصى ولكن إنما كانوا يسألونه عما
ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل ولم
يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم
به فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم وقد قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ
تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا
بِهَا كَافِرِينَ}.

وقد اختلف في هذه الأشياء المسئول عنها: هل هي أحكام قدرية أو أحكام شرعية؟ على
قولين: فقيل: إنها أحكام شرعية عفا الله عنها أي سكت عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها
سبب تحريمها ولو لم يسألوا لكانت عفوا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن
الحج: أفي كل عام؟ فقال: "لو قلت نعم وجبت ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم
بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ويدل على هذا التأويل حديث أبي ثعلبة
المذكور: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما" الحديث ومنه الحديث الآخر: "إن الله
فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت

ص -72-…عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" وفسرت بسؤالهم عن أشياء
من الأحكام القدرية كقول عبد الله بن حذافة: "من أبي يا رسول الله" وقول آخر: "أين
أبي يا رسول الله" قال: "في النار" والتحقيق أن الآية تعم النهي عن النوعين وعلى
هذا فقوله تعالى {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أما في أحكام الخلق والقدر فإنه
يسؤهم أن يبدو لهم ما يكرهونه مما سألوا عنه وأما في أحكام التكليف فإنه يسؤهم أن
يبدو لهم ما يشق عليهم تكليفه مما سألوا عنه.
وقوله تعالى {وَإِنْ تَسْأَلوا
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه قولان: أحدهما أن القرآن
إذا نزل بها ابتداء بغير سؤال فسألتم عن تفصيلها وعلمها أبدى لكم وبين لكم والمراد
بحين النزول زمنه المتصل به لا الوقت المقارن للنزول وكأن في هذا إذنا لهم في
السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن
الأشياء مطلقا والقول الثاني أنه من باب التهديد والتحذير أي ما سألتم عنها في وقت
نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسؤكم والمعنى لا تتعروا للسؤال عما يسوءكم
بيانه وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم.
وقوله {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} أي
عن بيانها خبرا وأمرا بل طوى بيانها عنكم رحمة ومغفرة وحلما والله غفور حليم فعلى
القول الأول عفا الله عن التكليف بها توسعة عليكم وعلى القول الثاني عفا الله عن
بيانها لئلا يسؤكم بيانها.
وقوله {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ
أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} أراد نوع تلك المسائل لا أعيانها أي قد تعرض قوم من
قبلكم لأمثال هذه المسائل فلما بينت لهم كفروا بها فاحذروا مشابهتهم والتعرض لما
تعرضوا له.

ولم ينقطع حكم هذه الآية بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه
بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله ومن ههنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا
صاحب الميزاب لا تخبرنا لما سأله رفيقه عن مائه أطاهر
ص -73-…أم لا وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما
طواه عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله
فإنه سبحانه يكره إبداءها ولذلك سكت عنها والله أعلم


اسم الكتاب:
إعلام الموقعين عن رب العالمين
المؤلف:
محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية 751هـ
دراسة وتحقيق:
طه عبد الرؤوف سعد
القسم:
مجموعة ابن القيم
الناشر:
مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة 1388هـ/1968م
عدد الأجزاء:
1
للاطلاع على الكتاب إاليكم الرابط:
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=28439

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق