مدخل إلى فقه الحدود والجنايات
الدرس1 :
المدخل
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول اللّه وعلى آله وصحبه ومن والاه.الثمرات التعليمية
أمّا بعد فأخي الطَّالب.
سلام الله عليكَ ورحمته وبركاته.
ومرحبًا بك في الدرس الأول من سلسلة الدُّروس المقرَّرة عليك في إطار مادَّة (فقه الجنايات) لهذا الفصل الدِّراسيّ.
آملينَ أن تجدَ فيها كلّ المُتعة والفائدة.
وإليك هذا الدرس الذي تتعرف فيه على: مدخل إلى فقه الحدود والجنايات.
فأهلاً وسهلاً بك.
عند نهاية هذا الدرس تستطيع بإذن الله أن:
- تعرف معنى التشريع الجنائي الإسلامي ، ومصادر التشريع الجنائي الإسلامي ومميزاته.
- تعلم مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي والشبهات التي تثار حول الحدود في الإسلام.
عناصر الدرس
1.1 معنى التشريع الجنائي الإسلامي ، ومصادر التشريع الجنائي الإسلامي ومميزاته
1.2 مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي ، الشبهات التي تثار حول الحدود في الإسلام
ملخص الدرس
· الفقه في اللغة يطلق، ويراد به عدة معانٍ، منها الفهم والفطنة والنفاذ إلى بواطن الأمور، أو فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى حكاية عن سيدنا موسى -عليه السلام- في دعائه لربه ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي)) أي يفهماه، ومنه دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) ومنه حكاية عن قوم سيدنا شعيب -عليه السلام-: ((قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)).
· فالفقه في الأصل هو الفهم، ومنه قول الله تعالى: ((فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)). وفي "القاموس": هو العلم بالشيء والفهم له، فهو الفهم لما ظهر أو خفي.
· أما في الاصطلاح: فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها.
· وعرفه الإمام ابن الهمام فقال بأنه التصديق لأعمال المكلفين، وعرفه آخرون : بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
· وعليه فإن المقصود بالأحكام الشرعية ما لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان الخطاب لنفس الحكم أو لنظيره أو المقيس عليه، والمقصود بالفرعية أي: المتعلقة بمسائل الفروع، فالأحكام الفرعية لا تكون إلا في العمل، والمراد بالأحكام الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
· والجناية في اللغة: الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص، ومنه الحديث ((ما يجني جان إلا على نفسه)).
· وهناك من يقول في تعريف الجناية كابن عرفة: الجنايات جمع جناية، والجناية في الاصطلاح هي الأحكام التي شرعها الله تعالى أو شرع أصولها، والتي تختص بتحديد الأفعال التي تعد جرائم وتبين العقوبة فيها.
· وعليه، فإنه لا عقوبة في الفقه الجنائي إلا إذا كانت هناك جريمة، وقد عرفها الزيلعي بقوله: إنها اسم لفعل محرم شرعًا، وكذلك ما يطلق على ما يكون في النفس والأطراف.
· وعرفها ابن قدامة بقوله: بأنها كل فعل على نفس أو مال، لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان.
· والملاحظ من خلال تعريفات الفقهاء للجناية في الاصطلاح يجد أنهم يعنون بها معنًى خاصًّا عرفًا، وهو الجناية على النفس أو الأطراف، ولا يقصدون بها المعنى العام، وهو الفعل المحرم شرعًا، كأن التشريع الجنائي الإسلامي يتعلق بهذا المعنى الخاص، والذي يتناول الجناية على النفس أو الأطراف دون المعنى العام الذي يقصد به الفعل المحرم شرعًا.
· بينما نجد البعض الآخر يرى أن لفظ الجناية يطلق على جرائم الحدود والقصاص، فتشمل: النفس، والبدن، والفرج، والعرض والمال، والمحرمات من المأكولات والمشروبات.
· من المتفق عليه بين جمهور الفقهاء أن مصادر التشريع الإسلامي أربعة: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس. ويعبر الفقهاء عن المصادر التشريعية بأنها الأدلة التي تستمد منها الأحكام.
· ومن المتفق عليه أيضًا أن الحكم الذي يدل عليه واحد من هذه الأدلة الأربعة هو حكم واجب الاتباع، ويرتب الفقهاء الأدلة والاستدلال بها طبقًا للترتيب الذي ذكرناه، فالمصدر الأول للشريعة هو القرآن، والمصدر الثاني هو السنة، والمصدر الثالث هو الإجماع، والمصدر الرابع هو القياس.
· وهناك مصادر أخرى للشريعة مختلف عليها، فيراها البعض مصادر تشريعية، أحكامها ملزمة، ولا يراها البعض الآخر كذلك، والمصادر المختلف عليها هي: الاستحسان، والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي، مع مراعاة أن البعض منها متفق عليه، والبعض مختلف عليه.
· أما مصادر التشريع الإسلامي الجنائي المقرر للجرائم والعقوبات فأربعة، منها ثلاثة متفق عليها، وهي: القرآن، السنة، الإجماع.
· أما الرابع فهو القياس، وقد اختلف فيه الفقهاء فرأى البعض أنه مصدر تشريعي جنائي، ورأى البعض أنه ليس مصدرًا في تقرير الجرائم والعقوبات.
· ولا شك أن من مقاصد التشريع أو من أسس التشريع عدم الحرج ورعاية مصالح الناس جميعًا، وتحقيق العدل بين الناس.
· وفي عدم الحرج ورفع المشقة تعددت آيات القرآن الكريم، منها: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)) ، ومنها ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) ، ومنها ((لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ)) وغير ذلك من الآيات التي نرى منها أن الله هو الرحمن الرحيم العالم بتفاوت الناس صحة ومرضًا، قوة وضعفًا، رفع عنا الحرج، ودفع المشقة عن الناس جميعًا بعامة وعن المرضى والمصابين بخاصة.
· ولرفع الحرج ورفع المشقة مظاهر كثيرة، منها ما هو في العبادات، ومنها ما هو في المعاملات، ومنها ما هو في العقوبات.
· والحقيقة أن الكثير من العقلاء -إن لم يكن العقلاء جميعًا- يجزمون في دخيلة نفوسهم بأن خير علاج للقضاء على الجريمة، وأن أحسن ما ينبغي أن يكون من العلاج إنما هو العلاج الذي وضعه العليم الخبير الذي خلق الإنسان، ويعلم ظاهر أمره وباطن سره ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) والناس يرغبون في ذلك أشد الرغبة، بل ويعلنون عن رغبتهم كلما سنحت لهم فرصة، بيد أن الشيطان وجنوده يقيمون في سبيل ذلك العراقيل والشبه، ويلقون بالموانع التي تكل أمامها عزائم الكثيرين إلا من عصم الله، ومن ثم نذكر نوعًا من تلك الشبه في نظر أصحابها، وهي شبه واهية، وهي أمام الحق الصادع والعدل الرادع، ثم نناقش تلك الشبه بشيء من العقلانية.
· أما عن الشبهة الأولى: فزعم من قال بها أن في إقامة الحدود نوعًا من القسوة والعنف التي تتنافى مع الإنسانية الرحيمة، ومع الشفقة التي يجب أن يتحلى بها الناس، والتي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية المهذبة.
· وللرد عليها نقول: كل ما في هذه الشبهة كلمتان : أنها قسوة، وأن القسوة لا تليق بالإنسان، ونقول لهم: نعلم أن في إقامة الحدود مظهرًا من مظاهر الشدة التي تسمونها قسوة، ولا بد لكل عقوبة أن يكون فيها مظهر قسوة أيًّا كانت، حتى ضرب الرجل لولده تأديبًا وتهذيبًا يمكن أن تقول إن فيه مظهر قسوة، وإذا لم تشتمل العقوبة على شيء من القسوة فأي أثر لها في الزجر والردع؟! والشاعر الحكيم يقول:
فقسا ليزدجروا......
· ثم تعالوا معي لنتساءل ما الذي حمل على هذه القسوة التي تخالف إنسانيتكم؟ وما الذي دفع القاضي إلى أن يحكم بهذه القسوة فيما تزعمون؟.
· إن الذي دعا إلى هذه القسوة شيء أشد منها قسوة، ولو تركنا هذه العقوبة القاسية -فيما تزعمون- لوقعنا في أمر أقسى من العقوبة، وأقسى من موجب العقوبة، فمن الرحمة والشفقة أن نقيم الحد، ففيه رحمة للمحدود، وبمن اعتدي عليه.
· فحرصًا على سلامة جسم المجتمع من سرطان الجريمة كان من الحزم الواجب استئصال العضو المريض الذي لا يرجى من بقائه إلا الفساد والإفساد، ومن الحكمة أن يبتر عضو فاسد إبقاء وإنقاء لمجموعة سليمة من الأعضاء، تعد بالمئات والآلاف المؤلفة.
· ومن شبههم قولهم:: لماذا كان القتل في حد المحصن رجمًا بالحجارة؟ أليس ذلك تحقيرًا وازدراءً للإنسانية؟ أو ليس هناك وسائل للقتل أشفق وأرحم وأحسن -إن صح هذا التعبير- وأسرع؟ ونبيكم -صلى الله عليه وسلم- يقرر أن الله كتب الإحسان على كل شيء، ((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) وأي إحسان في القتل بالرجم، أليس الصعق الكهربي مثلًا أو الشنق أو ما إلى ذلك من وسائل الإزهاق السريع أخف على المحدود؟.
· إن كنتم تنازعون في كيفية القتل وطريقته، فإننا نتكلم معكم في مسألتين:
· الأولى: أن هذا قتل لا يراد منه الإزهاق الروحي وكفى، وإلا فكان الصعق الكهربي أسرع في تحقيق الغرض المنشود كما تقولون، وإنما الراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، فليكن القتل بطريقة تليق بمن اقترف هذا الإثم المستبشع، إنه ارتكب جرمًا أهدر فيه كرامة الإنسان، ولطخ بأقذر القذر شرف الإنسان، وضيع معالم النسب الإنساني، وحكم بالقتل الأدبي على طائفة من بني الإنسان فضلًا عن القتل المادي والوأد الظاهر أو الخفي الذي ألحقه بمجموعة من سلالة الإنسان، ثم ليكن في قتله بهذه الصورة عبرة لمن تسول له نفسه أو يزين له شيطانه أن يقارف تلك الجريمة النكراء، والعاقل من اتعظ بغيره.
· المسألة الثانية: هل تجزمون أنتم بأن القتل بالصعق الكهربي مثلًا أخف ألمًا، وأسرع إزهاقًا من القتل بالرجم؟ وهل على ذلك من دليل؟ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ولو فرضنا أنكم أتيتم ببرهان، أفلا يجوز أن يكون من مقاصد الشارع الحكيم أن يقتل المرجوم رجمًا زيادة في الإيلام؛ لجريمته التي ارتكبها، ولتنفير غيره من مقارفة تلك الجريمة.
إن الذي فرض العقوبة وقدرها، وبين كيف تكون إنما هو العليم الخبير الذي يعلم دروب النفوس البشرية وخباياها ((أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)).
خاتمة الدرس
بهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس ، إلى ختام الدرس الأول، فإلى لقاءٍ يتجدّد مع الدَّرس الثاني، والّذي ينعقدُ بإذن الله، حول : القصاص في النفوس.
هذا، والله وليُّ التَّوفيق،
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ملاحظة: للاطلاع على باقي تفاصيل الدرس الرجاء تحميل الملف المرفق
الملفات المرفقة
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=19301
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق