الْمَاء
بسم الله الرحمن الرحيمإن الماء هو النعمة الكبرى والمنّة العظمى التي أنعم الله بها على الانسان وكذلك على كافة المخلوقات. فلا يوجد كائن حي إلاّ ويشكل الماء جزءً من تكوينه، قَلّت نسبته منه أم كثرت ! لأنه من ضروريات الحياة وعمادها، فيحثما وجد الماء وجدت الحياة! الماء في القرآن : لقد تكرر ذكر الماء في القرآن الكريم عشرات المرات لأهميته الكبرى للإنسان والحيوان والنبات والطبيعة، حيث ورد ذكره بلفظ (ماء) 33 مرة، وبلفظ (الماء) 16مرة، ولكن القرآن الكريم ذكره تحديدا في معرض علاقته لحفظ الحياة وديمومتها في 25 آية كريمة وكما يلي : البقرة / 164، الاعراف / 57،50، هود /7، يوسف / 49، الرعد /4، النحل / 65، الانبياء / 30، الحج / 5، النور / 45، الفرقان/ 54،49، العنكبوت/ 63، الروم/ 50،24، السجدة/ 8، فاطر/ 9، يس/ 33، فصلت/ 39، الزخرف/11، الجاثية/5، ق/ 11، الواقعة/68، المرسلات/ 20، الطارق/6. ومن العجيب أن الباري عز وجل قال في محكم كتابه في الآية موضوعة البحث أعلاه ( وجعلنا من الماء كل شيء حي) ولم يقل (وجعلنا من الهواء كل شيء حي)! بالرغم من أهمية الهواء للكائنات الحية لاحتوائه على الاوكسجين الضروري لادامة حياتها وفعالياتها، حيث وجد أن نوعا من الكائنات الحية الدقيقة (البكتريا) تموت عند تعرضها للهواء، وتعيش بدونه! وتسمى (البكتريا اللاهوائية) (Anareboic Bacteria). فسبحان الله الخالق العظيم على دقة تعبيره وبديع صنعه وخلقه ! الماء في الإنسان : الماء مركب كيمياوي يتكون من ذرتين هايدروجين وذرة واحدة اوكسجين (H2O) وهو أكثر المواد وفرة في الطبيعة وفي جسم الانسان، حيث يشكل نحو 70% من وزنه (45 لترا تقريبا). وفقدان 5-10% من الماء في جسم الانسان يؤدي الى جفاف شديد (Dehydration) واذا ماوصل النقصان الى 15-20% فان ذلك يؤدي غالبا الى الوفاة! ويتوزع الماء في جسم الانسان بنسبة الثلثين (30 لتر) داخل الخلايا يسمى الضمنخلوي(Intracellular) والثلث الآخر (15 لتر) خارجها ويسمى الخرجخلوي (Extracellular) الذي منه (3 لتر) في بلازما الدم والبقية (12 لتر) ينتشر بين الانسجة (Interstitial). لذلك نجد ان خلايا الجسم وأنسجته تسبح بالماء داخلا وخارجا، حيث يصل الى كل خلية ونقطة في جسم الانسان، ويتم بواسطته التبادل المستمر للمواد عبر الاغشية الخلوية. لذلك فان الماء ضروري جدا لكل وظائف الجسم والتي من أهمها ما يأتي : 1- عملية الهضم والامتصاص في الجهاز الهضمي. 2- عملية نقل المواد الغذائية العضوية وغير العضوية داخل الخلية وخارجها. 3- وسيط ووسط جيد للعمليات الكيميائية الحياتية (البايولوجية-الأيضية) (Metabolisim) والضرورية لجميع فعاليات و وظائف الجسم . 4- مذيبا وناقلا جيدا لفضلات ومخلفات التفاعلات الأيضية المذكورة أعلاه ويعمل على طرحها والتخلص منها خارجا عن طريق الكلى (البول) والجلد (العرق) والرئة (النفس). 5- منظم لحرارة الجسم ودرجة الحموضة (pH) والمحافظة على ثباتهما بالمعدلات الطبيعية الضروريتان للانسان وتفاعلاته البايولوجية. 6- الماء ضروري لبناء جميع أنسجة الجسم والمادة الاساس لتكوين الدم والافرازات السائلة منه كاللعاب والدموع وعصائر المعدة والجهاز الهضمي والسائل الذي تفرزه أغشية المفاصل (السائل المنزلق) (Synovial Fluid) بالإضافة لمحافظته على نعومة الجلد وصحته. هذا غيض من فيض وبإختصار شديد عن أهم وظائف الماء في جسم الانسان ومن الجدير بالذكر أن نؤكد على نوعين من السوائل في الانسان لأهميتهما القصوى له وهما: 1. سائل النخاع الشوكي (C.F.S): والذي يبلغ حجمه نحو (125) سم3 ويحيط بالجملة العصبية ( الدماغ والنخاع الشوكي) ويحميها من الشدة الخارجية فضلا عن وظائفه الحيوية الأخرى, وهو من أنقى السوائل المعروفة ويتكون (ينبع!) من الظفيرة الشبكية (Choroid Plexus) الواقعة في بطين الدماغ ويحيط به داخلاً وخارجا ويخرج من فتحات معينة متصلة بأوردة الدماغ في دورة مستمرة ومتجددة. ويجعل الدماغ يطوف ويفقد وزنه (حسب قاعدة أرخميدس)! لذلك فإن من رحمة الله بالإنسان انه لا يشعر بثقل دماغه الذي يبلغ 2% من وزنه. ومن الجدير بالذكر أن سائل النخاع الشوكي في الإنسان يتجدد في اليوم والليلة خمس مرات بعدد الصلوات الخمس! فكأنما يجعل الدماغ يتوضأ أيضا ويكون في حالة وضوء وطهر مستمرين!.علما أن الدماغ في شكله الجانبي داخل الجمجمة يشبه حالة السجود عند الصلاة في الإنسان ورأسه باتجاه مقدمته (الناصية)(Prefrontal Lobe) 2. السائل السّلي (Amnoitic Fluid): الذي يحيط بالجنين داخل الرحم وحجمه نحو (400)سم3 في وسط الحمل ويصل الى حوالي اللتر قبل نهايته بإسبوعين ويقل بعد ذلك، حيث يقيه من المؤثرات الخارجية (حماية) ويجعله يطوف ايضا ويقلل من وزنه فلا تشعر الام الحامل بثقله الحقيقي كما هو الحال في الدماغ أعلاه! فضلا عن وظائفه الحيوية الاخرى كالمحافظة على درجة حرارة الجنين ومصدر غذائي له كما يتيح للجنين الحركة ويساعد على نمو جهازه التنفسي. فسبحان الله من خلق فسوى وقدر فهدى! من صفات الماء الفريدة : وحتى يكون الماء سببا في حياة جميع الكائنات، فقد خصه الله عز وجل بمميزات فيزيائية وكيميائية فريدة لا تتوفر في غيره من السوائل لتحقيق هذه الوظائف الحياتية الضرورية ، ومنها: 1. الحالات الثلاث: الماء السائل الوحيد الذي يوجد في الطبيعة في الحالات الثلاث (السائلة والصلبة – الجليد- والغازية – بخار الماء) وبذلك يكون فعلا مخلوقا من اجل الحياة التي تتطلب أن يتوفر الماء فيها في هذه الحالات الثلاث المختلفة. 2. الوسط والوسيط المذيب المناسب : الماء أفضل مذيب للعناصر وناقل لها والوسط المناسب لكافة الانشطة الحياتية والتفاعلات الكيميائية (الأيضية). 3. الخاصية الشعرية (التوتر السطحي): الماء بفضل هذه الخاصية الفريدة الناتجة عن التماسك القوي لآصرة الهيدروجين فتوتره السطحي يتغلب على الضغط الجوي فيصعد من إعماق الارض في جذور الاشجار الشاهقة الارتفاع ويصل الى كل ورقة منها ويغذيها! وكذلك في جسم الانسان فإنه من خلال الاوعية الشعرية الدقيقة جدا في جهاز الدوران يغذي كل منطقة فيها وحتى قرنية العين (Cornea) في آلية فريدة من نوعها. 4. ثقل كثافته عند التجمد: يشذ الماء عن بقية السوائل التي تزداد كثافتها (وزنها) عند تحولها من الحالة السائلة الى الحالة الصلبة ، حيث انه في درجة 4oC يبدأ حجمه بالازدياد وتقل كثافته. فيكون الجليد (الماء في الحالة الصلبة) أخف وزنا من الحالة السائلة وهذه الخاصية الفريدة تجعله يتميز بصفة (الحياة) التي منحها الله له في الآية الكريمة موضوعة البحث قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) حيث يطفو الجليد على سطح المحيطات والبحيرات المتجمدة ويحافظ على البيئة المائية تحته (حيوانات ونباتات)، فلو ذهبنا الى المحيطات المتجمدة في القطبين لرأينا التجمد في الطبقات السطحية وأما الاعماق فالمياه سائلة تسبح فيها الكائنات الحية وتعيش فيها النباتات البحرية كما لو أنها في أماكن اخرى اعتيادية! ولو كان غير ذلك لتجمدت جميع المحيطات وإنعدمت الحياة داخلها ، وكذلك لتوقفت عملية التبخير وتكون الامطار والتي تسمى دورة الماء في الطبيعة (الدورة الهايدرولوجية) وأنعكس ذلك في إنعدام الحياة على اليابسة أيضا. 5. العذوبة: عندما يشرب الانسان الماء خاصة اذا كان عطشانا او مصاب بالجفاف الشديد فانه يشعر بالارتياح والارتواء لعذوبته، وتعود للجسم الحيوية والنشاط الذهني والبدني، لذلك وصف القرآن الكريم هذه النعمة العظيمة والتي وهبها للإنسان في قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ، لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) الواقعة : 68-70، واجاجا اي مالحا لا يمكن شربه لذلك وجب الشكر الكبير لله عز وجل ان جعل الماء لذيذا باعثا للارتواء ولم يكن مالحا غير مستساغ لايصلح والاستعمال البشري! بل جعله يحقق الارتواء والتغلب على الظمأ لعذوبته. 6. عديم اللون والطعم والرائحة: إن الماء قد خلقه الله فاقدا للصفات الفيزيائية الثلاث (اللون والطعم والرائحة) وفي ذلك فائدة عظيمة تخفى على الكثير من الناس، حيث أن الماء كما ذكرنا يدخل في تركيب جميع الاحياء والمخلوقات وبنسب متفاوتة فلو كان له طعما او لونا او رائحة خاصة به لاصطبغت وأخذت هذا اللون والطعم والرائحة وتأثرت به فكانت جميعا لها نفس لون وطعم ورائحة الماء ! وختاما: فإن الله جلت قدرته كما جعل الماء من أهم وأعظم النعم للانسان في الحياة الدنيا، فقد جعله كذلك من أول وأهم النعم الكثيرة لعباده المتقين في جنات الخلد والنعيم وذلك في قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهم) محمد : 15. والماء غير الآسن :اي ماءً عذبا غير متغير بخلاف ماء الدنيا الذي قد يتغير بعارض.التفسير الطبي للآية 30 من سورة الانبياء، قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) والآيات ذات الصلة بالموضوع
والحمد لله رب العالمين على نعمه الكثيرة في الدنيا والآخرة ومن أهمها الماء !!
منقول
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=62402
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق